بينما يتبادر إلى الذهن صور جبال الألب المغطاة بالثلوج عند الحديث عن التزلج، هناك قصة ملهمة تنطلق من مكان غير متوقع: منحدرات بندل المتواضعة في شمال غرب إنجلترا. هذا المكان، الذي يبلغ طوله 140 مترًا فقط وتحيط به مراعي الأغنام، هو المكان الذي صقل فيه ديف “روكيت” رايدنج موهبته ليصبح المتزلج البريطاني الأكثر تتويجًا في تاريخ سباق التعرج، وهو الآن على أعتاب الألعاب الأولمبية الشتوية في ميلانو كورتينا، حاملاً معه حلمًا بتحقيق إنجاز تاريخي. التزلج في إنجلترا ليس مجرد رياضة، بل هو تحدٍ وإثبات لقدرة العزيمة على تحويل المستحيل إلى واقع.

قصة نجاح غير تقليدية من بندل

يشتهر نادي بندل للتزلج بتواضعه، وهو أقل ما يمكن وصفه به. فالمنحدر مغطى بسجاد بلاستيكي خشن، وغالبًا ما يظهر العشب من تحته، وليس هناك أي أثر للثلج الطبيعي. هذه ليست بيئة تقليدية لتدريب بطل عالمي، لكنها بالضبط ما دفعه رايدنج إلى الأمام. يقول جون هولمز، المدرب والمتطوع في النادي: “لا نعتقد أننا سنغير هذا الأمر بالنسبة للعالم، ولكنه مكان فريد يمكنك أن تنجح فيه.”

رايدنج، البالغ من العمر 39 عامًا، بدأ التزلج هنا في سن السادسة. تتألف مسيرته، حتى الآن، من كونه المتزلج البريطاني الوحيد الذي فاز بكأس العالم للتزلج على جبال الألب، وهو إنجاز حققه في كيتزبوهيل بالنمسا، أحد أصعب المنحدرات في العالم. صعوده إلى القمة هو دليل على أن الموهبة والعمل الجاد يمكن أن يتغلبا على أي عقبات.

التكيف مع الظروف: التدريب على المنحدرات الجافة

إن مناخ بريطانيا المعتدل يجعل التزلج على الجليد أمرًا نادرًا، حيث تتساقط الثلوج في المتوسط لمدة 13 يومًا فقط في السنة. هذا الواقع فرض على رايدنج ونادي بندل التكيف والابتكار. كان رايدنج يتدرب في البداية مرتديًا سروالًا رياضيًا وقميصًا بأكمام طويلة، ويتألم من الحروق بسبب الاحتكاك بسطح المنحدر الخشن. جلسات التدريب والسباقات في الصيف كانت جزءًا من الروتين، وغالبًا ما كانت تتخللها الأغنام المتجولة من الحقول المجاورة.

“إذا اختاروا خلال جلسة التدريب أنهم يريدون عبور المنحدر، فيجب عليك منحهم الوقت بكل احترام”، كما يتذكر رايدنج بابتسامة، مشيرًا إلى أن هذا التعايش الغريب مع الحياة البرية كان جزءًا طبيعيًا من تجربته.

على الرغم من قصر المنحدر – 12 ثانية فقط من الأعلى إلى الأسفل – يعتقد رايدنج أن هذا ساعده على تطوير سرعة استثنائية في بداية السباق. لقد أتقن تقنية الوزن على التزلج الخارجي واتقان التحكم في الحافة وهي أساسيات تعلمها على هذا المنحدر الصغير.

إلهام الجيل القادم: حلم الميدالية الأولمبية

قصة رايدنج ليست مصدر فخر لنادي بندل فقط، بل أصبحت مصدر إلهام للمتزلجين البريطانيين الطموحين. يشهد على ذلك الانتظام في التدريب والسباقات الأسبوعية من قبل 600 عضو، بما في ذلك الأطفال والشباب وحتى كبار السن. في مبنى النادي، يزين علم Union Jack صورة رايدنج مع عبارة “نادي التزلج الخاص بك يحتاج إليك”، في دعوة للجميع لتحقيق أحلامهم.

“عليك أن تبدأ من مكان ما – لقد كان هنا وكان قادرًا على الوصول إلى الألعاب الأولمبية”، تقول جايدن كاتريس، البالغة من العمر 16 عامًا، وهي تتحدث بحماس عن تأثير رايدنج عليها وعلى زملائها. “إنه يظهر أنه ممكن لأي شخص”.

جوناثان فينتون، البالغ من العمر 77 عامًا، أقدم تلاميذ النادي، يصف رايدنج بأنه “أفضل متزلج بريطاني على الإطلاق ومصدر إلهام للجميع”.

محطة ميلانو كورتينا الأخيرة: فرصة لتخليد التاريخ

مع اقتراب نهاية مسيرته المهنية، تستعد رايدنج للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الخامسة والأخيرة في ميلانو كورتينا. يهدف إلى تحسين أفضل إنجاز له في الألعاب الأولمبية، وهو المركز التاسع في عام 2018، والأهم من ذلك، الفوز بأول ميدالية بريطانية في تاريخ التزلج على جبال الألب. بالرغم من فوز آلان باكستر بميدالية برونزية في سباق التعرج في عام 2002، إلا أنها سُحبت منه لاحقًا بسبب فشله في اختبار المنشطات.

رياضة التزلج بالنسبة لرايدنج، تتجاوز مجرد المنافسة والفوز. يريد أن يرد الجميل لهذه الرياضة وأن يساهم في بناء جيل جديد من المتزلجين البريطانيين. “لم يسبق لأحد أن فعل ذلك من المنحدرات الجافة من قبل. وإلى حد ما، لا أحد يعرف مثلي ما يتطلبه الأمر على كل مستوى، وفي كل مرحلة، لإحداث هذا الفرق”. ويضيف: “إذا تمكنت من استعادة المسار الذي سلكته ومن ثم تشجيع الأطفال على تجربته ومحاولة إنشاء هيكل مالي يمكن أن يساعد أيضًا، أعتقد أنني أستطيع أن أحدث فرقًا كبيرًا في مشهد التزلج البريطاني.”

إن قصة ديف رايدنج هي شهادة على قوة الإرادة وروح الابتكار، وهي تذكرنا بأن الأحلام يمكن أن تتحقق في أي مكان، حتى على منحدر متواضع تحيط به الأغنام. وستكون مشاركته في الألعاب الأولمبية بمثابة لحظة تاريخية للرياضة البريطانية، وليست مجرد سباق آخر، بل هي تتويج لمسيرة استثنائية بدأت في مكان غير متوقع.

شاركها.
Exit mobile version