في السنوات الأخيرة، شهدت التوصيات الغذائية تغيرات ملحوظة، وأحدثها مثير للجدل. فقد أعلنت السلطات الصحية في الولايات المتحدة عن تغيير كبير في إرشاداتها الغذائية، حيث دعت الأمريكيين إلى “إعطاء الأولوية للأطعمة البروتينية في كل وجبة” وزيادة استهلاكهم اليومي بشكل ملحوظ، يصل إلى ضعف الكميات الموصى بها سابقًا. هذا التحول، الذي وصفه وزير الصحة روبرت إف كينيدي جونيور بأنه “إنهاء للحرب على البروتين”، أثار نقاشًا واسعًا بين خبراء التغذية، ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة في الاستهلاك ضرورية بالفعل، أو قد تؤدي إلى عواقب صحية غير مرغوب فيها.
ما هي التغييرات الجديدة في توصيات البروتين؟
لطالما كانت التوصيات الغذائية الأمريكية تشير إلى أن الاستهلاك اليومي المثالي للبروتين هو 0.8 جرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم، أي ما يقارب 54 جرامًا يوميًا لشخص يزن 70 كيلوجرامًا. لكن الإرشادات الجديدة ترفع هذا الرقم بشكل كبير، لتوصي باستهلاك ما بين 1.2 إلى 1.6 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم. وهذا يعني أن البالغين قد يحتاجون إلى استهلاك ما لا يقل عن 100 جرام من البروتين يوميًا، مع التركيز على الحصول على نصف هذه الكمية أو أكثر من المصادر الحيوانية.
هذا التغيير يعكس، وفقًا لمراجعة علمية نشرت مع الإرشادات الجديدة، أن التوصيات السابقة كانت تهدف بشكل أساسي إلى منع نقص البروتين، وليست إلى تحسين الصحة العامة أو الحفاظ على كتلة العضلات المثالية. وتشير الأبحاث التي استندت إليها هذه الإرشادات الجديدة، والتي شملت 30 دراسة، إلى أن تناول كميات أكبر من البروتين آمن ويمكن أن يدعم الصحة الجيدة.
هل الزيادة في استهلاك البروتين ضرورية؟
على الرغم من تأكيد الإرشادات الجديدة على أهمية البروتين، إلا أن العديد من خبراء التغذية يشككون في الحاجة إلى هذه الزيادة الكبيرة في الاستهلاك. يرى الدكتور داريوش مظفاريان، خبير التغذية في جامعة تافتس، أن زيادة البروتين قد تكون مفيدة للأشخاص الذين يمارسون تدريبات القوة أو المقاومة بشكل منتظم لبناء العضلات. ولكن بالنسبة لمعظم الناس، يعتبر الاستهلاك الحالي من البروتين كافيًا.
ويحذر الدكتور مظفاريان من أن تناول كميات زائدة من البروتين يمكن أن يتحول إلى دهون في الكبد، مما يزيد من خطر تراكم الدهون الضارة حول الأعضاء الحيوية وارتفاع خطر الإصابة بمرض السكري. هذا القلق يتشارك فيه خبراء آخرون، الذين يشيرون إلى أن الأمريكيين يستهلكون بالفعل كميات كافية من البروتين، وأن التركيز يجب أن يكون على تحسين جودة البروتين المستهلك.
خطر التسويق المضلل للأطعمة الغنية بالبروتين
يثير خبراء التغذية قلقًا آخر يتعلق بتأثير هذه التوصيات الجديدة على صناعة الأغذية. يشير كريستوفر جاردنر، خبير التغذية في جامعة ستانفورد، إلى أن هذه الإرشادات قد تؤدي إلى زيادة في مبيعات الأطعمة المصنعة الغنية بالبروتين، مثل ألواح البروتين والحبوب والوجبات الخفيفة، وحتى المياه المضافة إليها البروتين.
ويعتقد جاردنر أن هذا الاتجاه قد يكون مضللاً للجمهور، خاصة وأن الرسالة الرئيسية التي يجب التركيز عليها هي تناول الأطعمة الحقيقية الكاملة، وليس الاعتماد على الأطعمة المصنعة التي تحتوي على كميات كبيرة من البروتين المضاف. ويخشى أن يؤدي هذا إلى تشويش المستهلكين وإبعادهم عن الخيارات الغذائية الصحية.
البروتين النباتي: بديل صحي أم غير كافٍ؟
الإرشادات الجديدة تركز بشكل خاص على المصادر الحيوانية للبروتين، مثل اللحوم الحمراء والحليب كامل الدسم. هذا التركيز أثار انتقادات من بعض خبراء التغذية الذين يفضلون المصادر النباتية للبروتين، مثل البقوليات والمكسرات والبذور والخضروات الورقية.
على الرغم من أن المصادر الحيوانية للبروتين تعتبر كاملة، أي أنها تحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إلا أن المصادر النباتية يمكن أن توفر أيضًا كميات كافية من البروتين عند دمجها بشكل صحيح في النظام الغذائي. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تكون المصادر النباتية للبروتين أقل في الدهون المشبعة والكوليسترول، وأعلى في الألياف والمغذيات الأخرى المفيدة للصحة. التغذية النباتية يمكن أن تكون خيارًا صحيًا ومستدامًا للعديد من الأشخاص.
نحو نظام غذائي متوازن
في الختام، على الرغم من أن البروتين عنصر غذائي أساسي لصحة الجسم، إلا أن الزيادة الكبيرة في الاستهلاك الموصى بها في الإرشادات الجديدة تثير تساؤلات مشروعة. من المهم أن نتذكر أن النظام الغذائي المتوازن هو المفتاح للحفاظ على صحة جيدة، وأن التركيز يجب أن يكون على تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة الكاملة، بما في ذلك البروتينات النباتية والحيوانية، والكربوهيدرات المعقدة والدهون الصحية. قبل إجراء أي تغييرات كبيرة في نظامك الغذائي، من الأفضل دائمًا استشارة أخصائي تغذية مؤهل لتقييم احتياجاتك الفردية وتقديم التوجيه المناسب. الصحة الجيدة تتطلب نهجًا شاملاً، وليس مجرد التركيز على عنصر غذائي واحد.

