اليونان على موعد مع “حرب الطحين” الملونة: جالاكسيدي تحتفل بنهاية الكرنفال
في قلب اليونان، تنبض بلدة جالاكسيدي الساحلية بالحياة وتتحول إلى لوحة فنية نابضة بالألوان كل عام في ختام احتفالات الكرنفال المبهجة، والتي تتزامن مع بداية موسم الصوم الكبير. هذه هي قصة “حرب الطحين” الفريدة التي تجذب الزوار من كل حدب وصوب، وتعبر عن روح التقاليد العريقة الممتزجة بالفرح.
## جالاكسيدي: مسرح “حرب الطحين” الملونة
في يوم الإثنين النظيف، تشهد بلدة جالاكسيدي اليونانية، الواقعة على ساحل البحر الأيوني، مشهداً غير اعتيادي. يتحول الشارع الساحلي الرئيسي إلى ساحة معركة فوضوية ولكنها مبهجة، حيث يتطاير الدقيق الملون في كل اتجاه. يتبادل المحتفلون، من سكان البلدة وزوارها، قذائف الدقيق الملون، مرتدين ملابس يفضل أن تكون قديمة ليتحمل رذاذ الألوان.
يبدأ المشهد قبل الظهر، وتتصاعد وتيرته بسرعة حتى يغطي الدقيق كل شيء. في غضون ساعتين، تبدو المعركة على وشك الانتهاء، لكن روح الاحتفال العارمة تدفع البعض إلى تمديدها لساعات متأخرة من الليل. يشارك في هذه الفعالية معظم سكان جالاكسيدي، بالإضافة إلى العديد من السياح الذين اكتشفوا سحر هذه الاحتفالية الفريدة.
## جذور تقاليد “حرب الطحين” في جالاكسيدي
يجتمع سكان جالاكسيدي ليس فقط للاحتفال، بل لإحياء تقليد عريق يعود إلى قرون مضت. يقول بانايوتيس بافيليس، أحد سكان البلدة: “هذه العادة جلبها أسلافنا إلى هنا وهم على متن قواربهم الشراعية في عام 1800. إنها لا توجد إلا هنا”. يعكس هذا الإصرار على الحفاظ على التقاليد مدى ارتباط المجتمع بجذوره وتاريخه.
تُعد “حرب الطحين” في جالاكسيدي واحدة من أبرز مظاهر احتفالات “الإثنين النظيف”، وهو عطلة مسيحية أرثوذكسية تعلن عن بداية الصوم الكبير. هذا الصوم، الذي يستمر لمدة 40 يومًا، يسبق عيد الفصح المجيد، ويمثل فترة من التأمل والامتناع عن الملذات.
### تاريخ استلهام “حرب الطحين”
لم يكن تقليد “حرب الطحين” ليختلف عن العديد من الاحتفالات المماثلة في اليونان، والتي غالبًا ما تعود جذورها إلى عصور وثنية قديمة، وتم دمجها بسلاسة مع التقويم المسيحي. ومع ذلك، يبدو أن أصول “حرب الطحين” في جالاكسيدي أحدث نسبيًا.
يعتقد أن البحارة المسافرون هم من ألهموا بهذه العادة في القرن التاسع عشر، مستلهمين أحداثًا مشابهة في صقلية. في ذلك الوقت، كانت السفن ذات الصواري البيضاء، المصنوعة محليًا، تبحر في طرق التجارة حول العالم، حاملة معها ليس فقط البضائع، بل أيضًا قصصًا وتقاليد من مختلف الثقافات.
## من ميناء مجيد إلى بلدة محفوظة
كانت جالاكسيدي في الماضي ميناءً تجاريًا رئيسيًا، تلعب دورًا حيويًا في حركة التجارة البحرية. ومع ذلك، تغيرت الأيام، وفقدت المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 1700 نسمة، جزءًا من اتصالها بالعالم الخارجي. تضاءلت حركة المرور في موانئها، وأصبحت الطرق المؤدية إلى باقي أنحاء البلاد، المحاطة بالجبال الشاهقة، غير متاحة.
لم يتم بناء الطريق الذي يربط جالاكسيدي ببقية اليونان إلا في ستينيات القرن الماضي. ورغم هذه العزلة المفروضة، إلا أنها ساهمت بشكل كبير في الحفاظ على طابع البلدة الفريد وتقاليدها الأصيلة، بما في ذلك “حرب الطحين”.
### جالاكسيدي اليوم: احتفالات نابضة بالحياة
تحول جالاكسيدي اليوم إلى وجهة سياحية مميزة، خاصة خلال موسم الكرنفال. يستقطب هذا الحدث الشباب بشكل خاص، حيث يأتون للاستمتاع بالأجواء الاحتفالية الفريدة. يقول ستيفانوس كابيتاناكيس، 28 عامًا، الذي حضر الاحتفالات مع أصدقائه: “لقد قضينا وقتًا ممتعًا. وسنعود بالتأكيد.”
على النقيض من احتفالات “الإثنين النظيف” الأكثر هدوءًا في معظم أنحاء اليونان، والتي تتميز بتحليق الطائرات الورقية واستهلاك المأكولات البحرية، تبقى جالاكسيدي وفية لروحها الصاخبة.
## الخلاصة: فن الحياة والاحتفال في جالاكسيدي
تُعد “حرب الطحين” في جالاكسيدي أكثر من مجرد تقليد؛ إنها تعبير عن روح المجتمع، واحتفاء بالحياة، وتشبث بالتاريخ. في كل عام، تكسر هذه الفعالية الرتابة، وتُعيد الشباب إلى قلوب الكبار، وتُشكل ذكرى لا تُنسى للزوار. عندما تزور اليونان، خاصة خلال نهاية موسم الكرنفال، لا تفوت فرصة مشاهدة هذا التفرد الذي جعل من جالاكسيدي وجهة استثنائية.

