في سماء الصحة العامة، تولد الأساطير وتُسطر الإنجازات الخالدة. رحل عنا مؤخرًا الدكتور ويليام فوجي، رجلٌ لم يكن مجرد طبيب، بل كان المهندس الرئيسي لفوزٍ تاريخي للبشرية جمعاء: القضاء على مرض الجدري. لقد ترك لنا إرثًا لا يُقدر بثمن، تتجاوز صداه الأجيال.
## رحلة في حياة أيقونة الصحة العالمية: الدكتور ويليام فوجي
كانت مسيرة الدكتور ويليام فوجي، الذي رحل عن عالمنا عن 89 عامًا، مثالًا للإلهام والتفاني. برز فوجي، بشخصيته الهادئة وطوله الفارع، كقائد لا يشق له غبار في معركة الأمراض المعدية. لم يقتصر تأثيره على مرحلة زمنية محددة، بل امتد ليشمل أدوارًا قيادية مؤثرة في أبرز المؤسسات الصحية العالمية.
### ولادة فكرة “الاحتواء الدائري” وأثرها على القضاء على الجدري
قبل أن يتولى الدكتور فوجي قيادة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كان له دورٌ محوريٌ في مواجهة أحد أشرس أعداء البشرية: مرض الجدري. هذا المرض الفتاك، الذي عاث فسادًا لقرون، ترك خلفه مئات الملايين من الموتى وندوبًا لا تُمحى على وجوه الناجين.
كانت حملات التطعيم المبكرة قد حققت تقدمًا ملحوظًا، حتى أنها اختفت تقريبًا من الولايات المتحدة. لكن أشباح الجدري كانت لا تزال تخيم على مناطق عدة من العالم، وتوقفت جهود استئصاله.
في ستينيات القرن الماضي، وفي أثناء خدمته كمبشر طبي في نيجيريا، طوّر فوجي وزملاؤه استراتيجية ثورية تُعرف باسم “طريقة الاحتواء الدائري” (ring vaccination). تركزت هذه الطريقة على تحديد كل حالة إصابة مؤكدة بالجدري وتطعيم جميع الأشخاص المحتمل تعرضهم للعدوى من المصابين.
### “الاحتواء الدائري”: عبقرية التطبيق في ظل الموارد المحدودة
اعتمدت “طريقة الاحتواء الدائري” بشكل أساسي على سرعة التحرك والاستجابة السريعة، وولدت من رحم الحاجة والواقع. كما أشار فوجي بنفسه في كتابه “House on Fire” عام 2011، لم تتوفر كميات كافية من اللقاحات لتطعيم الجميع. لذا، كان لا بد من ابتكار نهجٍ يضمن أقصى استفادة من الموارد المتاحة.
لقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها المذهلة، وأصبحت حجر الزاوية في الحملة العالمية للقضاء على الجدري. وبفضل هذه الجهود المتضافرة، تم تسجيل آخر حالة إصابة طبيعية بالجدري في الصومال عام 1977. وعلى إثر ذلك، أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1980، انتصار البشرية التاريخي على هذا المرض.
### إرثٌ لا يُقدّر بثمن: انقاذ مئات الملايين
يقول الدكتور توم فريدن، المدير السابق لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، والذي كان يتشاور بانتظام مع فوجي: “إذا نظرت إلى المقياس البسيط لمن أنقذ أكبر عدد من الأرواح، فستجده في أعلى القائمة. القضاء على الجدري منع مئات الملايين من الوفيات.” هذه الكلمات تلخص عظمة ما حققه الدكتور ويليام فوجي.
### لمحات من حياة الدكتور فوجي
ولد ويليام فوجي في 12 مارس 1936. نشأ في أسرة متدينة، حيث كان والده قسًا لوثريًا. لكن شغفه بالطب بدأ يتبلور في سن مبكرة، تحديدًا في عمر الثالثة عشرة، أثناء عمله في صيدلية محلية.
واصل تعليمه وحصل على شهادته الطبية من جامعة واشنطن عام 1961، ليلتحق بعدها بجامعة هارفارد حيث نال درجة الماجستير في الصحة العامة عام 1965.
تولى فوجي منصب مدير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) من عام 1977 إلى 1983. ومن خلال هذا المنصب، ودورات أخرى لاحقة في منظمات مرموقة مثل مركز كارتر ومؤسسة بيل وميليندا جيتس، استمر في قيادة الجهود الرامية إلى تحسين الصحة العالمية.
### تكريمٌ مستحقٌ وجوائزٌ عالمية
تقديرًا لمساهماته الاستثنائية، كرّمه الرئيس باراك أوباما عام 2012 بوسام الحرية، وهو أرفع وسام مدني في الولايات المتحدة. كما وصفه رئيس جامعة ديوك، ريتشارد برودهيد، عند منحه درجة فخرية عام 2016، بـ “أبو الصحة العالمية”.
وعبّر الدكتور باتريك أوكارول، الرئيس التنفيذي لفرقة العمل من أجل الصحة العالمية، عن تقديره العميق لفوجي، مؤكدًا على التزامه الثابت بتحسين صحة الناس حول العالم عبر بناء شراكات قوية وتطبيق أفضل العلوم المتاحة “نحن نحاول احترام هذا الالتزام في كل برنامج من برامجنا، كل يوم.”
### كلمة ختامية
رحيل الدكتور ويليام فوجي يمثل خسارة كبيرة للمجتمع العالمي للصحة. لكن إرثه، وخاصةً انتصاره على الجدري، سيظل محفورًا في سجلات الإنسانية كدليلٍ على أن التحديات الصحية الأكبر يمكن التغلب عليها بالإبداع، والتفاني، والعمل الجماعي. لقد كان حقًا بطلاً حمى البشرية من خطرٍ كان يتربص بها.

