جراحات تأكيد الجنس للقاصرين: توصية جديدة تثير جدلاً طبياً وسياسياً
شهدت قضية جراحات تأكيد الجنس للقاصرين تطوراً جديداً مع توصية الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل (ASPS) بتأجيل هذه العمليات حتى بلوغ المراهقين سن 19 عاماً. ويأتي هذا الموقف، الذي يختلف عن توجيهات العديد من المنظمات الطبية الرائدة الأخرى، ليضع حدا فاصلاً في نقاش محتدم ومستقطب سياسياً.
تغير موقف الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل
أعلنت الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل يوم الثلاثاء عن قرارها بعدم وجود “أدلة كافية” تدعم فوائد جراحات الصدر والأعضاء التناسلية والوجه على القاصرين الذين يعانون من خلل الهوية الجنسية، مقارنة بالمخاطر المحتملة. استندت الجمعية في قرارها إلى منشورين حديثين أثارا جدلاً، وهما مراجعة كاس التي أعدها طبيب بارز في إنجلترا، وتقرير صادر عن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية لعام 2025.
و أوضحت الجمعية في بيان الموقف الخاص بها أن هذا القرار لا يرمي إلى التقليل من معاناة أي مريض أو التشكيك في صحة تجاربهم. بل يؤكد البيان على أن توفير رعاية إنسانية وأخلاقية وعادلة، خاصة للأطفال والمراهقين، يتطلب الموازنة بين التعاطف والدقة العلمية، مع مراعاة الاعتبارات التنموية والرفاهية على المدى الطويل.
من المهم الإشارة إلى أن هذا البيان لا يُقدم كدليل إرشادي سريري، ولم تجرِ الجمعية تقييماً مستقلاً للأدلة أو تتخذ خطوات لوضع مبادئ توجيهية جديدة للرعاية.
مواقف المجموعات الطبية الأخرى
تأتي هذه التغييرات في الوقت الذي تتكثف فيه الجهود من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب للضغط على مقدمي الرعاية الصحية لتقليل أو وقف تقديم الرعاية المتعلقة بتأكيد النوع الاجتماعي، خاصة للأطفال. وعلق نائب وزير الصحة والخدمات الإنسانية، جيم أونيل، قائلاً: “يمثل اليوم انتصاراً آخر للحقيقة البيولوجية في إدارة ترامب”، مضيفاً أن الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل قد وضعت المعايير العلمية والطبية التي يجب على جميع مقدمي الخدمات اتباعها.
في المقابل، تمسكت العديد من الجمعيات الطبية الكبرى بمواقفها الحالية، مشيرة إلى أن المبادئ التوجيهية القائمة بالفعل تدعو إلى توخي الحذر بشأن إجراء العمليات الجراحية للقاصرين.
جراحة تأكيد الجنس نادرة بين أطفال الولايات المتحدة
تشير الأبحاث إلى أن جراحة تأكيد الجنس نادرة بين الأطفال في الولايات المتحدة، حيث يحصل أقل من 1% من المراهقين الأمريكيين على أدوية لتأكيد الجنس.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، الدكتور أندرو راسين، أن الأكاديمية لا تتضمن توصية شاملة بإجراء العمليات الجراحية للقاصرين الذين يعانون من خلل الهوية الجنسية. وأضاف أن الأكاديمية لا تزال تدعم المبدأ القائل بأن القرارات المتعلقة بالرعاية يجب أن تتم بالتشاور بين المرضى وأسرهم وأطبائهم، بعيداً عن التدخلات السياسية.
كما أكدت الرابطة المهنية العالمية لصحة المتحولين جنسياً (WPATH)، والتي تعمل على تطوير معايير رعاية للمرضى المتحولين جنسياً عالمياً، دعمها لحصول القاصرين على الرعاية الجراحية، ولكن وفق “إرشادات ومعايير حذرة”. تعارض مبادئ المجموعة نهج “مقاس واحد يناسب الجميع” أو تحديد عمر معين، وتشدد على أن القرارات يجب أن تُتخذ على أساس كل حالة على حدة، بعد تقييمات شاملة من قبل خبراء في الصحة وتنمية المراهقين.
وفي وقت لاحق، أشارت الجمعية الطبية الأمريكية إلى دعمها للعلاجات القائمة على الأدلة، بما في ذلك الرعاية الخاصة بتأكيد النوع الاجتماعي. وعلى الرغم من اتفاقها مع جمعية الجراحين جزئياً، إلا أنها لم تصل إلى حد المطالبة بتأجيل العمليات الجراحية إلى سن البلوغ في جميع الحالات. وأوضحت الجمعية أن الأدلة الحالية على التدخلات الجراحية لتأكيد الجنس لدى القاصرين غير كافية لإصدار بيان نهائي.
ضغوط على المستشفيات وتداعياتها
في خضم هذه التطورات، اتخذت إدارة ترامب خطوات في ديسمبر لتقييد توفير الرعاية المتعلقة بتأكيد النوع الاجتماعي للقاصرين، مما أدى إلى رفع العديد من الولايات لدعاوى قضائية. ويمثل هذا واحداً من سلسلة تصادمات بين الإدارة التي ترى أن هذه الرعاية قد تكون ضارة للأطفال، والمدافعين الذين يؤكدون على ضرورتها الطبية.
و تحت ضغط من الإدارة، علقت مستشفيات في جميع أنحاء البلاد تقديم الرعاية التي تؤكد النوع الاجتماعي للقاصرين. وكان أبرزها مستشفى مينيسوتا للأطفال، الذي أعلن عن نيته وقف وصف الأدوية المثبطة للبلوغ والهرمونات للمرضى تحت سن 18 عاماً، وذلك بسبب “التهديدات” الفيدرالية. ووصف النظام الصحي هذا القرار بأنه “كان علينا اتخاذه لحماية مستشفانا ومقدمي خدماتنا”، مؤكداً على أن هذه الرعاية “قائمة على الأدلة وآمنة ومنقذة للحياة”.
كما اعترفت مجموعة جراحي التجميل بأن “التباين في البيئات التنظيمية والقانونية” لعب دوراً في قرارها، مشيرة إلى أن عدم وجود أدلة كافية على فوائد الرعاية المتعلقة بتأكيد النوع الاجتماعي يجعل “اتخاذ القرار الجراحي ينطوي على مخاطر أخلاقية وسريرية وقانونية متزايدة”.
الخلاصة
إن التوصية الجديدة بتأجيل جراحات تأكيد الجنس للقاصرين تعكس تعقيد القضية الحاجة إلى موازنة دقيقة بين الرعاية المقدمة للأفراد الأكثر ضعفاً وبين الاعتبارات العلمية والأخلاقية والقانونية. يستمر الجدل الطبي والسياسي حول هذه المسألة، مع تباين في المواقف بين المنظمات الطبية المتنوعة. يبقى النقاش مفتوحاً حول أفضل السبل لضمان رعاية آمنة وفعالة تراعي الاحتياجات الفردية والتطورات العلمية.

