في ظلّ اقتراب فصل الشتاء، تشهد الولايات المتحدة ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الإصابة بالأنفلونزا، مما يثير قلقًا واسعًا بين مسؤولي الصحة. يشير خبراء الصحة إلى أن هذا الموسم قد يكون قاسيًا بشكل خاص، بل ويتجاوز حدة الموسم الماضي الذي صنّف من بين الأسوأ في التاريخ الحديث. وتأتي هذه الزيادة بالتزامن مع قرارات مثيرة للجدل من إدارة ترامب بشأن توصيات التطعيم.
ارتفاع قياسي في حالات الإصابة بالأنفلونزا في الولايات المتحدة
أظهرت بيانات حديثة نشرت في بداية الأسبوع نشاطًا متزايدًا للأنفلونزا خلال فترة العطلات. وبحسب بعض المقاييس، فإن هذا الموسم يتخطى بالفعل أرقام الإصابات المسجلة في شتاء العام الماضي، الذي شهد معدلات استشفاء ووفيات مرتفعة. وقد أبلغت 45 ولاية أمريكية عن نشاط مرتفع أو مرتفع للغاية للأنفلونزا خلال أسبوع عيد الميلاد، مقارنة بـ 30 ولاية في الأسبوع الذي سبقه.
سلالة جديدة من فيروس H3N2 تثير القلق
يعزو خبراء الصحة العامة هذا الارتفاع إلى نوع معين من فيروس الأنفلونزا المنتشر، وهو فيروس A H3N2. تاريخيًا، يعتبر هذا النوع مسؤولاً عن معظم حالات الدخول إلى المستشفى والوفيات بين كبار السن. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أكثر من 90% من حالات الإصابة بفيروس H3N2 التي تم تحليلها كانت عبارة عن نسخة جديدة، تُعرف باسم متغير الفئة الفرعية K، والتي تختلف عن السلالة الموجودة في لقاحات الأنفلونزا لهذا العام.
هذا التباين بين السلالة المنتشرة واللقاح المتاح يثير تساؤلات حول فعالية اللقاحات الحالية، ويجعل من الصعب التنبؤ بمدى خطورة الموسم. الدكتور روبرت هوبكنز، المدير الطبي للمؤسسة الوطنية للأمراض المعدية، يؤكد أن الزيادات المطردة في عدد الحالات دون أي علامات على الانخفاض تشير إلى أن ذروة الموسم لم تأتِ بعد.
موسم أنفلونزا سيئ آخر على التوالي
لا يقتصر الأمر على ارتفاع عدد الحالات، بل إن موسم الأنفلونزا الماضي كان بالفعل سيئًا، حيث سجل معدل الاستشفاء العام للأنفلونزا أعلى مستوى له منذ جائحة H1N1 قبل 15 عامًا. ووصلت وفيات الأطفال بسبب الأنفلونزا إلى 288 حالة، وهو الأسوأ على الإطلاق في موسم أنفلونزا عادي في الولايات المتحدة. حتى الآن هذا الموسم، تم الإبلاغ عن تسع وفيات بسبب أنفلونزا الأطفال، وتجاوزت نسبة زيارات أقسام الطوارئ بسبب الأنفلونزا بالفعل أعلى مستوى تم تسجيله خلال موسم 2024-2025.
يشير هذا الارتفاع في الحالات بين الأطفال والشباب إلى أن موسم الأنفلونزا الحالي قد يكون حادًا في جميع الفئات العمرية، خاصة وأن فيروس H3N2 عادة ما يصيب كبار السن بشدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن نسبة زيارات عيادات الأطباء بسبب مرض يشبه الأنفلونزا كانت أعلى في أواخر الشهر الماضي مقارنة بأي وقت خلال موسم الأنفلونزا السابق.
قرارات مثيرة للجدل بشأن لقاحات الأنفلونزا
في تطور مفاجئ، أعلنت إدارة ترامب أنها لن توصي بعد الآن بتطعيم الأطفال الأمريكيين ضد الأنفلونزا، معتبرة أن هذا القرار يجب أن يتخذه الآباء والمرضى بالتشاور مع أطبائهم. ومع ذلك، سيستمر التأمين الصحي الخاص والبرامج الفيدرالية في تغطية تكاليف لقاح الأنفلونزا بالكامل.
هذا القرار يثير تساؤلات حول التزام الحكومة بتشجيع التطعيم الوقائي، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بالأنفلونزا. خبراء الصحة العامة يوصون بتطعيم جميع الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 6 أشهر فما فوق بلقاح الأنفلونزا السنوي.
تراجع الحكومة عن جمع بيانات Medicaid
بالإضافة إلى ذلك، أثار قرار آخر من الحكومة الأمريكية قلقًا واسعًا، وهو التراجع عن جمع بيانات Medicaid المتعلقة بمعدلات التطعيم. برامج Medicaid الحكومية، التي تغطي تكاليف الرعاية الصحية للأسر ذات الدخل المنخفض، لن تضطر بعد الآن إلى الإبلاغ عن معدلات التحصين.
يعتبر هذا القرار بمثابة “خطة كارثية” بحسب الدكتور هوبكنز، لأنه سيؤدي إلى فقدان مصدر رئيسي للبيانات التي تسمح بتقييم الجهود المبذولة لحماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.
ارتفاع حالات كوفيد-19 بالتزامن مع الأنفلونزا
بالتزامن مع ارتفاع حالات الأنفلونزا، تشهد الولايات المتحدة أيضًا ارتفاعًا في معدلات الإصابة بفيروس كوفيد-19، على الرغم من أنها لا تزال أقل شيوعًا من الأنفلونزا حتى الآن هذا الشتاء. تجدر الإشارة إلى أن إدارة ترامب توقفت عن التوصية بلقاحات كوفيد-19 للأطفال الأصحاء العام الماضي.
الخلاصة
يشير الوضع الحالي إلى أن الولايات المتحدة تواجه موسم أنفلونزا صعبًا، مع ارتفاع معدلات الإصابة وسلالة جديدة من الفيروس تثير القلق. القرارات الأخيرة من الحكومة الأمريكية بشأن لقاحات الأنفلونزا وجمع البيانات تزيد من تعقيد الوضع. من الضروري أن يتخذ الأفراد احتياطاتهم اللازمة، بما في ذلك الحصول على لقاح الأنفلونزا السنوي، واتباع ممارسات النظافة الجيدة، والبقاء في المنزل عند الشعور بالمرض، وذلك للحد من انتشار الفيروس وحماية أنفسهم ومجتمعاتهم. الأنفلونزا تشكل خطرًا حقيقيًا، والوقاية هي أفضل سلاح لمواجهتها. من المهم أيضًا متابعة آخر المستجدات والتوجيهات من مصادر موثوقة مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC). التطعيم ضد الأنفلونزا يظل الخيار الأفضل للحماية، خاصة مع ظهور سلالات جديدة. صحة المجتمع تتطلب تضافر الجهود والالتزام بالإجراءات الوقائية.

