في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط الطبية، أعلنت السلطات الصحية الأمريكية عن تغييرات جذرية في توصياتها المتعلقة بـ تطعيم الأطفال. هذه التغييرات، التي دخلت حيز التنفيذ الفوري، تقلل بشكل كبير من عدد الأمراض التي توصي الحكومة الفيدرالية بالتحصين ضدها بشكل روتيني، مما يثير مخاوف بشأن صحة الأطفال العامة وزيادة احتمالية تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها. بينما تهدف هذه الخطوة المعلنة إلى تعزيز ثقة الجمهور في اللقاحات، يرى العديد من الخبراء أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية وزيادة في التردد التطعيمي.

ماهي التغييرات الجديدة في توصيات التطعيم؟

تقليدياً، كانت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) توصي بتطعيم جميع الأطفال ضد 18 مرضاً مختلفاً. الآن، تم تخفيض هذا العدد إلى 11 مرضاً فقط، مع التركيز على ما يُعرف بـ “اتخاذ القرار المشترك” بين الطبيب والأسرة بالنسبة لبقية اللقاحات.

هذا يعني أن الحكومة الفيدرالية ستوصي الآن فقط بالتحصين الروتيني ضد الأمراض التالية:

  • الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)
  • الخناق والكزاز والسعال الديكي (DTaP)
  • شلل الأطفال
  • الحُماق
  • فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)
  • بكتيريا Hib (المستدمية النزلية من النوع B)
  • لقاح PCV (لقاح المكورات الرئوية)

أما اللقاحات التي تم إعادتها إلى فئة “اتخاذ القرار المشترك” وتخضع لتقدير الطبيب أو طلب الأهل، فهي:

  • الإنفلونزا
  • التهاب الكبد أ
  • التهاب الكبد ب
  • مرض المكورات السحائية
  • فيروس الروتا
  • RSV (الفيروس المخلوي التنفسي) – التغيير سيتم تطبيقه في عام 2025
  • كوفيد-19

من الجدير بالذكر أن هذه التغييرات تشمل أيضاً تقليل عدد جرعات لقاح HPV الموصى بها من جرعتين أو ثلاث جرعات إلى جرعة واحدة فقط.

دوافع التغيير: ما الذي أدى إلى هذا القرار؟

أرجعت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية هذه التغييرات إلى طلب قدمه الرئيس السابق دونالد ترامب في ديسمبر الماضي. طلب الرئيس ترامب من الوكالة مراجعة ممارسات التطعيم في الولايات المتحدة مقارنةً بـ 20 دولة أخرى، والنظر في تعديل التوصيات الأمريكية بما يتماشى معها.

ووفقاً للوزارة، أظهرت المقارنة أن الولايات المتحدة كانت “متطرفة” في كل من عدد اللقاحات وعدد الجرعات الموصى بها لجميع الأطفال. يهدف هذا التغيير، كما صرح المسؤولون، إلى زيادة ثقة الجمهور في تطعيم الأطفال من خلال التركيز على اللقاحات الأكثر أهمية. ومع ذلك، يرى النقاد أن العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي تمت مقارنتها بالولايات المتحدة، ما زالت توصي ببعض اللقاحات التي تم استبعادها من القائمة الأمريكية.

ردود فعل الأطباء وخبراء الصحة على التغييرات

أثارت هذه التغييرات انتقادات واسعة النطاق من مختلف جمعيات الأطباء وخبراء الصحة العامة في الولايات المتحدة. الجمعية الطبية الأمريكية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أكدتا أنهما ستواصلان التوصية بجميع اللقاحات التي كانت موصى بها سابقاً، مشيرتين إلى أنه لا يوجد أي دليل علمي جديد يبرر هذا التعديل.

أكد الدكتور شون أولييري من الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن هذه التغييرات قد تؤدي إلى زيادة في الأمراض والوفيات التي يمكن الوقاية منها. كما أعرب عن قلقه بشكل خاص بشأن إزالة التوصية بلقاح الإنفلونزا، خاصةً مع تزايد حدة مواسم الإنفلونزا في السنوات الأخيرة. علاوة على ذلك، أكد خبراء أن الولايات لديها السلطة في تحديد متطلبات التطعيم لمدارسها، وأن بعض الولايات بدأت بالفعل في صياغة سياسات مستقلة لمواجهة هذه التغييرات.

الأثر المحتمل على العائلات والصحة العامة

لا يزال من المبكر تحديد تأثير هذه التغييرات على العائلات، ولكن من المتوقع أن يؤدي عدم وجود توصية فيدرالية قوية إلى زيادة التردد في الإقبال على التطعيم. قد يعبر الآباء عن المزيد من الشكوك حول اللقاحات، مما يستلزم المزيد من المناقشات المعمقة مع أطبائهم.

إذا انخفض معدل التطعيم، فقد نشهد عودة انتشار الأمراض التي كانت تحت السيطرة، مثل الحصبة والسعال الديكي، مما يؤدي إلى تفاقم عدد الحالات المرضية والوفيات، وزيادة الغياب عن المدارس وأماكن العمل. هذا يمثل تهديداً حقيقياً للصحة العامة ويتطلب وعياً متزايداً بأهمية التطعيم وفوائده.

تغطية التأمين: هل ستستمر في دعم اللقاحات؟

أكدت إدارة ترامب أن شركات التأمين الصحي ستستمر في تغطية تكاليف اللقاحات التي تختارها العائلات، حتى لو لم تكن جزءاً من التوصيات الفيدرالية الجديدة. تعتبر شركات التأمين الصحي التطعيمات استثماراً جيداً، حيث إنها أرخص بكثير من علاج الأمراض التي يمكن الوقاية منها. ومع ذلك، يعرب البعض عن قلقهم من أن شركات التأمين قد تزيد من الأقساط أو تفرض قيوداً على التغطية في المستقبل.

في الختام، تمثل التغييرات الأخيرة في توصيات تطعيم الأطفال في الولايات المتحدة تطوراً مثيراً للجدل. بينما تهدف الحكومة إلى تعزيز ثقة الجمهور، يخشى الخبراء من أن هذه التغييرات قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على الصحة العامة. من الضروري أن يقوم الآباء والأمهات بالتشاور مع أطبائهم للحصول على معلومات دقيقة واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحة أطفالهم. ويجب على وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الاستمرار في مراقبة الوضع وتقييم تأثير هذه التغييرات على معدلات التطعيم ووقوع الأمراض.

شاركها.
Exit mobile version