في تطور دراماتيكي هزّ الأوساط الإعلامية البريطانية، بدأت الجولة الثالثة والأخيرة من معركة قضائية يقودها الأمير هاري ضد صحيفة “ديلي ميل” وشركاتها التابعة. تتهم الدعوى القضائية، التي تشمل أيضاً شخصيات بارزة مثل إلتون جون وإليزابيث هيرلي، المجموعة الإعلامية بممارسة انتهاك الخصوصية بشكل ممنهج وغير قانوني على مدى عقدين. هذه القضية، التي تثير جدلاً واسعاً، تلقي الضوء على الممارسات الصحفية المثيرة للجدل وتأثيرها على حياة المشاهير.

تفاصيل الاتهامات الموجهة لـ “ديلي ميل”

محامي الأمير هاري، ديفيد شيربورن، قدم أمام المحكمة العليا في لندن ادعاءات صارخة تفيد بأن “ديلي ميل” و”صنداي ميل” انخرطتا في “استخدام واضح ومنهجي ومستمر لجمع المعلومات بشكل غير قانوني”. وتشمل هذه الأساليب، وفقاً للاتهامات، استئجار محققين خاصين لاختراق السيارات، والحصول على سجلات شخصية، والتنصت على المكالمات الهاتفية.

الأمر لم يقتصر على التجسس المادي، بل امتد ليشمل خلق بيئة من عدم الثقة والخوف. الأمير هاري نفسه صرّح، عبر بيان مفتوح لمحاميه، بأنه كان يشعر بالقلق الدائم من مراقبة تحركاته وأفكاره ومشاعر، وكل ذلك بهدف تحقيق مكاسب مالية للصحيفة. هذا الشعور المستمر بالمراقبة أثر سلباً على علاقاته الشخصية، وأصابه، على حد وصفه، بـ “جنون العظمة”.

معركة قانونية متعددة الأطراف

هذه الدعوى ليست منفصلة، بل هي جزء من سلسلة قضايا رفعها الأمير هاري ضد الصحف الشعبية البريطانية. فقد فاز في وقت سابق بحكم قضائي ضد ناشري صحيفة “ديلي ميرور” بتهمة الاعتراض “الواسع النطاق والمعتاد” للرسائل الهاتفية. كما أن صحيفة أخرى، مملوكة لروبرت مردوخ، أصدرت اعتذاراً غير مسبوق عن التطفل على حياة هاري، ووافقت على دفع تعويضات مالية كبيرة.

القضية الحالية تضم أيضاً مدعين آخرين، مثل الناشطة المناهضة للعنصرية دورين لورانس والسياسي السابق سيمون هيوز، مما يعكس انتشار هذه الممارسات المزعومة. المبلغ عن المخالفات، جافين بوروز، لعب دوراً محورياً في الكشف عن هذه الأنشطة، حيث زعم أنه نفذ “مئات الوظائف” لصالح “ذا ميل” بين عامي 2000 و2005.

دفاع “ديلي ميل”: مصادر مشروعة و”أصدقاء مسربين”

شركة Associated Newspapers Ltd، الناشرة لـ “ديلي ميل”، تنفي بشدة جميع هذه الاتهامات، واصفةً إياها بـ “غير المعقولة”. ويؤكد محامي الدفاع، أنتوني وايت، أن المقالات المتهمة بالاعتماد على معلومات غير قانونية، تم الحصول عليها من خلال مصادر مشروعة، بما في ذلك “شركاء مسربين” على استعداد لتقديم معلومات حول معارفهم المشهورين.

ويجادل الدفاع بأن الدعاوى القضائية تستند إلى “استنتاجات ضعيفة” ومحاولات لربط المقالات بالمدفوعات المقدمة للمحققين. ويؤكدون أن الشهود، من المحررين إلى الصحفيين المخضرمين، سيقدمون أدلة قوية تدحض هذه المزاعم وتوضح مصادرهم. كما يشيرون إلى أن المطالبات، التي تعود إلى عام 1993، تم تقديمها بعد فوات الأوان، حيث رفعت الدعاوى في عام 2022.

“هياكل عظمية في الخزانة” ومهمة الأمير هاري

لكن محامي الأمير هاري يرد على ذلك بشدة، مؤكداً أن “إنكار الشركة الشديد” و”تدمير السجلات” و”الكثير من الوثائق المفقودة” يمنع المدعين من معرفة الحقيقة. ويقول شيربورن إن “أسوشيتد برس” كانت تعلم أن لديها “هياكل عظمية في خزانتها”، وأن نفيها القاطع لم يكن صحيحاً.

هذه القضية تأتي في سياق أوسع لمهمة الأمير هاري المعلنة لإصلاح وسائل الإعلام البريطانية. فقد اتهم وسائل الإعلام بدورها في وفاة والدته، الأميرة ديانا، في حادث سيارة عام 1997، بسبب المطاردة المستمرة من قبل المصورين. كما أعرب عن قلقه بشأن الهجمات الصحفية المستمرة على زوجته، ميغان ماركل، والتي يرى أنها كانت السبب الرئيسي في قرارهما بترك الحياة الملكية والانتقال إلى الولايات المتحدة في عام 2020. الخصوصية أصبحت قضية مركزية في صراعه العلني مع وسائل الإعلام.

مستقبل القضية وتأثيرها المحتمل

من المتوقع أن تستمر المحاكمة في المحكمة العليا في لندن لمدة تسعة أسابيع، وستشهد عودة الأمير هاري إلى منصة الشهود للمرة الثانية. النتيجة النهائية لهذه القضية قد يكون لها تأثير كبير على وسائل الإعلام البريطانية، وقد تفتح الباب أمام المزيد من الدعاوى القضائية المماثلة. كما أنها ستلقي الضوء على التوازن الدقيق بين حرية الصحافة وحق الأفراد في الحماية من التطفل. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه القضية تثير تساؤلات حول أخلاقيات جمع الأخبار، ومسؤولية وسائل الإعلام تجاه الشخصيات العامة، وأهمية الرقابة الإعلامية.

في الختام، هذه القضية ليست مجرد نزاع قانوني بين الأمير هاري و”ديلي ميل”، بل هي معركة أيديولوجية حول مستقبل الصحافة البريطانية، وحقوق الأفراد في العصر الرقمي. من المؤكد أن التطورات القادمة في هذه القضية ستكون موضع اهتمام واسع من قبل وسائل الإعلام والجمهور على حد سواء.

شاركها.
Exit mobile version