معرض دمشق للكتاب: نافذة على حرية التعبير في سوريا ما بعد الأسد

شهد معرض دمشق الدولي للكتاب، في نسخته الأولى بعد تغيير النظام في سوريا، تحولاً لافتاً في المشهد الثقافي، حيث فتح أبوابه واسعاً أمام كُتب كانت على قائمة المحظورات لعقود. هذا التحول، الذي يأتي بعد عقود من القيود الأمنية، يعكس تطلعات نحو حرية أكبر في التعبير وفضاء ثقافي أكثر انفتاحاً، مما يثير تساؤلات حول المستقبل الثقافي للبلاد.

بوادر انفراج ثقافي في معرض دمشق الجديد

بعد سنوات من القيود الأمنية الشديدة وحظر العديد من الكتب في ظل نظام بشار الأسد، أبدى الناشرون السوريون شعوراً بالارتياح حيال معرض دمشق الدولي للكتاب في فترة ما بعد رحيل الأسد. عبد الرزاق أحمد سريول، الذي بدأ نشر الكتب عام 2003، عبّر عن دهشته لتلقيه تصريح المشاركة في المعرض بسهولة غير مسبوقة، مشيراً إلى أن المجموعة الواسعة من العناوين المتاحة جعلت هذا العام “غير مسبوق”.

التمكين الثقافي للأقليات

وكان صلاح سوراكجي، ناشر آخر، فخوراً بتقديم الكتب الكردية في العاصمة السورية لأول مرة منذ عقود. ففي عهد الأسد، عانت الأقليات، وخاصة الأكراد، من التمييز، بما في ذلك حظر لغتهم. شهد معرض الكتاب الأول منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024 إقبالاً كبيراً، حيث أفادت التقارير الرسمية بحضور 250 ألف شخص في يومه الأول.

جدل حول النصوص الدينية في معرض سوريا

بينما لاقت حرية التعبير الجديدة ترحيباً واسعاً، أثار عرض بعض الكتب المحظورة سابقاً لكتاب إسلاميين قلقاً لدى الأقليات الدينية. كانت الكتب الدينية من بين الأكثر مبيعاً في المعارض السابقة، لكن هذا العام، تم عرض كتب العالم الإسلامي ابن تيمية – الذي عاش في دمشق قبل سبعة قرون وتتبنى تعاليمه جماعات جهادية سنية – بشكل علني في المعرض بعد حظرها لعقود.

مخاوف أمنية وطائفية

أثار تداول الكتب التي تنشر أيديولوجيات متطرفة قلقاً في سوريا، خاصة في ظل أعمال القتل الطائفية التي شهدتها البلاد العام الماضي. وعلى الرغم من أن الرئيس السوري بشار الأسد، المنتمي للأقلية العلوية، تبنى رسمياً أيديولوجية علمانية، فقد شهدت عائلة الأسد حملات قمع وحشية ضد جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلامية خلال فترة حكمهم.

الكتاب الوحيد الذي تم منع عرضه هذا العام حسب التقرير هو “هل سمعت حديث الرافضة؟”، والذي تضمن خطابات صوتية لأبي مصعب الزرقاوي. ويُعتقد أن العراق قد طلب من السلطات السورية إزالة هذا الكتاب لأنه يحرض على الكراهية ضد المسلمين الشيعة.

وجهات نظر مختلفة

قال أبو عبيدة، الذي عرّف عن نفسه باسم حركي، وهو يقف أمام كشك لبيع الكتب الدينية، إنه اشترى نسخة من كتاب ابن تيمية الشهير “العقيدة الواسطية” أو “أصول الإسلام”. وأضاف: “قبل التحرير، كان هذا الكتاب محظوراً في سوريا”. “أي شخص لديه مثل هذا الكتاب كان يُؤخذ إلى السجن.” وأكد أن الوضع الآن أفضل، مشيراً إلى أن الناس كانوا يقرؤون في الماضي “ما أرادت الدولة منهم أن يقرأوه”.

حقبة جديدة في سوريا

أقيم معرض الكتاب لأول مرة في سوريا عام 1985، وتوقف لعدة سنوات بعد بدء الحرب الأهلية في مارس 2011. تفاجأت هالة البشبيشي، مديرة دار الحالة للنشر في مصر، بعدد الحضور، لكنها أشارت إلى أن معرض دمشق للكتاب لا يزال بعيداً عن مقارنة معارضه بمعارض دول الخليج.

الفرص والتحديات

أكدت البشبيشي أن المعرض “ممتاز” بالنظر إلى الظروف التي مرت بها سوريا، وأضافت أن الحافلات المكوكية بين المعرض ووسط دمشق ساهمت في زيادة أعداد الزوار. من جانبه، قال عاطف الناموس، ناشر سوري يعيش في الخارج منذ 45 عاماً، إنه يشارك للمرة الأولى لأن جميع الكتب متاحة الآن، بما في ذلك الكتب المستوردة من الدول الغربية.

ويأتي هذا المعرض في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى طمأنة الأكراد بأنهم مواطنون متساوون، خاصة بعد الاشتباكات الأخيرة في شمال شرق البلاد. وقد أصدر الرئيس المؤقت أحمد الشرع مرسوماً مؤخراً يمنح الأكراد حقوقاً غير مسبوقة، بما في ذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية والاحتفال بعيد نوروز.

مستقبل الثقافة السورية

عبر صلاح سوراكجي، الناشر الكردي، عن سعادته بالخطوة الإيجابية تجاه الأكراد، الذين حرموا لأكثر من 60 عاماً من ممارسة ثقافتهم. وأشار إلى أن معظم المشترين لكتبه هم من الأكراد، ولكن هناك أيضاً عرب يسعون إلى فهم أعمق لمواطنيهم. وأضاف: “كلنا سوريون، لكن سبب كل الخلافات هو نظام (الأسد).”

وقالت ميادة كيالي، صاحبة دار نشر أخرى، إن أهم ما يمكن تقديمه للأجيال الشابة التي “خرجت من الحرب والظلم والقمع، هو المعرفة، المعرفة التي في متناولها، دون وضع قيود على أفكارها أو آرائها”.

دعوة للتفاعل

يدعو معرض الكتاب هذا، بما يحمله من تغييرات وبوادر انفتاح، إلى مزيد من النقاش حول دور الثقافة في إعادة بناء المجتمع السوري، ويفتح الباب أمام تساؤلات هامة حول كيفية تحقيق توازن بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن المجتمعي.

شاركها.
Exit mobile version