القراءة في سجون البرازيل: بصيص أمل يخفف من وطأة الأحكام

في ريو دي جانيرو، تمنح مبادرة مبتكرة حياة جديدة للسجناء، حيث تتيح لهم تقليص مدة عقوباتهم بالسجن من خلال الانغماس في عالم الكتب. هذه المبادرة، التي تشهد نموًا متزايدًا، تتيح للسجناء، ومن بينهم شخصيات بارزة مثل الرئيس السابق جايير بولسونارو، تخفيف أحكامهم بما يصل إلى 48 يومًا سنويًا مقابل قراءة الكتب. ومع حلول شهر رمضان، يبحث العديد من المعتقلين عن سبل لإعادة الاتصال بالمعرفة وقضاء وقت فراغهم بشكل مثمر، وتعد برامج القراءة أحد الحلول التي تتيح لهم ذلك.

برنامج تخفيف الأحكام بالقراءة: فرصة للتغيير

إميلي دي سوزا، امرأة برازيلية تبلغ من العمر 33 عامًا، اغتنمت فرصة التعرف على برنامج يسمح لها بتقليص مدة عقوبتها بالسجن أربعة أيام مقابل قراءة كتاب. لم تكن هذه مجرد فرصة للتقليل من وقت قضاء العقوبة، بل كانت أيضًا فرصة لإعادة إحياء شغفها بالقراءة. تعاني العديد من السجون في البرازيل من الاكتظاظ، ويقدم هذا البرنامج لمحة عن الأمل لأولئك الذين يسعون إلى تحسين ذواتهم.

دافع العودة إلى الأهل والمجتمع

بالنسبة لدي سوزا، كان دافعها الأقوى هو إمكانية لم شملها في وقت مبكر مع ابنها البالغ من العمر 9 سنوات، والذي يعاني من التوحد وتتولى رعايته جدته وخالته. تقول دي سوزا، وهي محتجزة حاليًا في سجن دجانيرا دولوريس دي أوليفيرا للنساء الذي يضم حوالي 820 معتقلة: “يوم واحد هو أبدية لأنه يبدو وكأنه لن ينتهي أبدًا”.

تصف دي سوزا القراءة بأنها “نوع من الهروب، للخروج من هذه البيئة قليلاً، والتفكير في أشياء أخرى: قصص أخرى، وأشخاص آخرين، وليس أنا فقط”. هذا الهروب الذهني ضروري للحفاظ على الصحة النفسية في بيئة السجن القاسية.

رحلة عقوبة “بريجاديرو”

مثل معظم زملائها السجناء، حكم على دي سوزا بتهمة تهريب المخدرات. لكن تفاصيل حكمها تثير الدهشة، حيث حكم عليها بالسجن لمدة خمس سنوات لبيعها قطعة شوكولاتة برازيلية مملوءة بالقنب، تعرف باسم “بريجاديرو” باللغة البرتغالية. وصلت إلى السجن في نوفمبر الماضي، لكنها تأمل في الانتقال إلى نظام السجون شبه المفتوحة في البرازيل في أغسطس، مما يسمح لها بمغادرة السجن أثناء النهار للعمل.

نظام القراءة في البرازيل: ريادة عالمية

تتميز البرازيل، التي لديها واحد من أعلى معدلات السجن للفرد في أمريكا اللاتينية، بامتلاكها أحد أكثر الأنظمة الرسمية والوطنية لتخفيف الأحكام عن طريق القراءة في العالم. هذا البرنامج سريع النمو، والذي تم تنظيمه رسميًا لأول مرة في عام 2012 وتم توحيده عبر جميع أنحاء البرازيل في عام 2021، حظي باهتمام متجدد في وقت سابق من هذا العام بعد أن أذنت المحكمة العليا لبولسونارو، الذي يواجه حكمًا بالسجن 27 عامًا لمحاولة انقلاب، بالمشاركة فيه.

“إنه يساعدنا كثيرًا”

ترى أندريا أوليفيرا، منسقة سجون النساء وإدماج مجتمع المثليين في سجون ولاية ريو، أن برامج القراءة والمدارس لا تساعد الفرد بمجرد خروجه من السجن فحسب، بل تفيد المجتمع بأكمله. تقول: “عندما نشجع التعليم والأنشطة الممتعة والمعرفة، فإننا نعيد إلى المجتمع شخصًا يمكنه إعادة التواصل واحترام القواعد”.

منذ عام 2022، ينظم أستاذ الأدب باولو روبرتو توناني ورش عمل في السجون لتمكين المحتجزين في ريو من الاستفادة من هذا النظام. يتضمن البرنامج اختيار كتاب أو الحصول عليه، ثم مناقشته في لقاء تالٍ، وأخيرًا تقديم مراجعة أو رسم توضيحي للفهم في الاجتماع الثالث.

رحلة القراءات المتميزة

قرأ المعتقلون أعمالًا أدبية متنوعة، من رواية “كابتن الرمال” لخورخي أمادو، إلى “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستويفسكي، و”اللون البنفسجي” لأليس ووكر. ويعد الكتاب المصور “الأب فرانسيسكو” لمارينا ميازاكي أراوجو، الذي يحكي قصة أب مسجون من منظور الطفل، هو الكتاب المفضل لدى المشاركين. يرجع السبب في ذلك إلى أن العديد من المعتقلين في السجون البرازيلية يأتون من خلفيات فقيرة ولم يكملوا تعليمهم الأساسي، مما يجعل مثل هذه القصص أكثر ارتباطًا بواقعهم.

“دموع النساء غير الخاضعات” وما وراءها

في إحدى ورش العمل التي عقدت في سجن دجانيرا دولوريس دي أوليفيرا، كانت هناك نساء يقرأن كتاب “دموع النساء غير الخاضعات” للكاتبة كونسيساو إيفاريستو. ومن بين هؤلاء، سيلينا ماريا دي كونسيساو، وهي امرأة تبلغ من العمر 50 عامًا، والتي شاركت في ورش العمل العام الماضي وسجلت مرة أخرى. تقول دي كونسيساو إنها طورت ذوقها في القراءة بفضل المشروع: “إن ذلك يساعدنا كثيرًا لأننا محبوسون، ويصبح الأمر مرهقًا للغاية، وصاخبًا للغاية. علينا أن نذهب إلى مكان آخر، ونتفاعل مع الآخرين ونتحدث عن الأشياء الجيدة، مثل الكتاب الذي ندرسه.”

تحديات الوصول والتطبيق

على الرغم من الفوائد الواضحة لبرنامج تخفيف الأحكام بالقراءة، إلا أن هناك تحديات تواجه تطبيقه. تذكر دي كونسيساو أنها اضطرت إلى ترك قراءة كتاب إيفاريستو لأنه أزعجها، حيث يقول: “لم يكن الأمر جيداً بالنسبة لي، لأنه يثير مشاعرنا، ونحن في مكان حيث البيئة فيه ثقيلة بالفعل”. وتشتهر السجون البرازيلية بالاكتظاظ والظروف القاسية.

تفاوت الفرص

قال رودريغو دياس، رئيس التعليم والثقافة والرياضة في الأمانة الوطنية للسياسات الجزائية في البلاد، إنه على الرغم من التقدم المحرز، إلا أن الحصول على إجازة من القراءة لا يزال غير متساوٍ في جميع أنحاء البرازيل. في بعض الولايات، يتم توزيع كتب قليلة، بينما تعاني ولايات أخرى من بيروقراطية شديدة تعيق الوصول إليها.

خلص تقرير حكومي صدر عام 2023 إلى أن نحو 30% من وحدات السجون البرازيلية لا تحتوي على مكتبات أو مساحات كافية للقراءة. ومع ذلك، فقد زاد عدد طلبات العفو عبر القراءة سبعة أضعاف منذ عام 2021.

“أكثر من مجرد خطأ”

يشير إليونالدو فرنانديز جولياو، مؤلف مشارك لكتاب “إسقاط الأحكام من خلال القراءة في البرازيل: الحق في التعليم في المنافسة”، إلى أن برامج تخفيف الأحكام بالقراءة تستخدم في كثير من الأحيان كبديل لتطوير الوصول إلى التعليم، وهو أكثر تكلفة بكثير. كما يشير إلى أن الوصول إلى السياسات والكتب غالبًا ما يعتمد على المشاريع المحلية، والتي يمكن أن تكون عرضة للإلغاء بسهولة.

خلال ورشة عمل أخيرة، قرأت دي سوزا بصوت عالٍ قصيدة أكدت فيها الشاعرة المسجونة سابقًا ليليانا كابريرا أن “أيضًا شيء أكثر / من الحروف باللون الأسود / لقضية قضائية.” كان لهذه الكلمات صدى عميق لدى دي سوزا، التي قالت: “لقد عرف أحدهم كيف يشرح بعبارات جميلة (…) أنني أكثر بكثير من مجرد قضية أمام المحكمة، وأكثر بكثير من الخطأ الذي ارتكبته، وأنني إنسانة لها قصتي”.

ختامًا

تعتبر برامج تخفيف الأحكام بالقراءة في سجون البرازيل أكثر من مجرد وسيلة لتقليص العقوبات؛ إنها تمثل نافذة على عالم الإمكانيات، وتذكيراً بأن كل إنسان، مهما كانت أخطاؤه، يستحق فرصة لإعادة اكتشاف نفسه والتواصل مع إنسانيته. إنها خطوة نحو إعادة التأهيل، وتعزيز الأمل، وبناء مستقبل أفضل، ليس فقط للسجناء، بل للمجتمع بأسره.

شاركها.
Exit mobile version