في حفل توزيع جوائز المجلس الوطني للمراجعة الذي أقيم في نيويورك، لم تكن الاحتفالات بالجوائز السينمائية هي الحدث الوحيد الذي لفت الأنظار. ففي خضم تكريم الأفلام والممثلين، تصاعدت أصداء نداءات عاطفية حول قضايا عالمية ملحة، أبرزها الأحداث المؤلمة في مينيابوليس والاحتجاجات في إيران. وفي النهاية، توج فيلم “One Battle After Another” للمخرج بول توماس أندرسون كأفضل فيلم لهذا العام، ليؤكد هيمنته على موسم الجوائز حتى الآن. هذا الحفل، الذي يتميز بأجوائه الحميمة والصراحة، عكس بدوره التزام مجتمع السينما بالقضايا الإنسانية والاجتماعية.
“One Battle After Another” يتصدر جوائز المجلس الوطني للمراجعة 2024
مرة أخرى، حصد فيلم “One Battle After Another” للمخرج بول توماس أندرسون جائزة أفضل فيلم من المجلس الوطني للمراجعة (NBR)، بعد أيام قليلة من فوزه بجوائز غولدن غلوب. يعتبر حفل NBR، الذي تأسس عام 1909، بديلاً أقل رسمية لحفلات توزيع الجوائز الكبرى، ولكنه يحظى بتقدير كبير في الأوساط السينمائية. وقد أعلن الفائزون مسبقًا، مما جعل الحفل منصة للتعبير عن الآراء والمشاعر بشكل أكثر حرية.
بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم، حصل الفيلم على تقديرات فردية بارزة، حيث فاز ليوناردو دي كابريو بجائزة أفضل ممثل، وحصل بول توماس أندرسون على جائزة أفضل مخرج، بينما نال بينيسيو ديل تورو جائزة أفضل ممثل مساعد، وحصل تشيس إنفينيتي على جائزة أفضل أداء. هذه الجوائز تؤكد الجودة الفنية والتمثيلية العالية للفيلم، وتدفعه بقوة نحو المزيد من النجاح في موسم الجوائز القادم.
إشادة سكورسيزي بـ “جرأة” أندرسون
ألقى المخرج الشهير مارتن سكورسيزي كلمة مفاجئة أثناء الإعلان عن جائزة أفضل فيلم، حيث أشاد بـ “جرأة” أندرسون في رواياته وقدرته على تقديم أعمال سينمائية فريدة. وقال سكورسيزي: “مثل جميع الأفلام العظيمة، لا يمكن مقارنتها بأي شيء آخر. إنه يقف بمفرده. إنه فيلم أمريكي عظيم.” هذه الكلمات تعكس التقدير العميق الذي يحظى به أندرسون من قبل زملائه المخرجين، وتؤكد مكانته المتميزة في عالم السينما.
وحاول أندرسون، الذي بدا متواضعًا وممتنًا، أن يصف جوهر فيلمه، قائلاً: “لا أعرف ما الذي يدور حوله فيلمنا، لكنني أعلم أنه يدور حول حب أطفالك.” هذه الإشارة العاطفية إلى ابنته الجالسة على طاولته أضفت لمسة شخصية على كلمته، وأظهرت مدى أهمية العلاقات الأسرية في إلهام أعماله.
أصداء الاحتجاجات في مينيابوليس وإيران تتردد في الحفل
على الرغم من أجواء الاحتفال، لم يغب العالم الخارجي عن أذهان الحاضرين. فقد أثار خطاب ريان كوغلر، مخرج فيلم “Sinners”، مشاعر الحاضرين، حيث ربط بين فيلمه السابق “محطة فروتفيل” والأحداث المأساوية الأخيرة في مينيابوليس.
كوغلر، الذي تم تكريمه عن سيناريو فيلمه الجديد، استذكر فيلم “محطة فروتفيل” الذي استوحى من مقتل أوسكار جرانت على يد شرطة النقل السريع في كاليفورنيا. ثم تحول حديثه إلى حادث إطلاق النار المميت على رينيه نيكول جيد على يد وكيل إنفاذ الهجرة في مينيابوليس. وقال كوغلر بأسف: “كنت صغيراً وساذجاً، واعتقدت أن الفيلم سيغير العالم… لقد ثبت خطأي مراراً وتكراراً. ومن الصعب أن أكون هنا ولا أفكر في مينيسوتا.” هذه الكلمات الصادقة تعكس إحباطه من استمرار العنف والظلم، وتأكيدًا على أهمية التذكير بهذه القضايا.
نداء عاجل من المخرج الإيراني جعفر بناهي
ولكن أقوى وأكثر الكلمات إثارة للجدل جاءت من المخرج الإيراني المنشق جعفر بناهي، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم عالمي عن فيلمه “لقد كان مجرد حادث”. بناهي، الذي عمل سرًا في إيران لسنوات طويلة تحت الإقامة الجبرية والسجن، لم يتردد في إدانة العنف الذي تمارسه الحكومة الإيرانية ضد المتظاهرين.
وقال بناهي بصوت يملؤه الغضب والحزن: “بينما نقف هنا، تطلق دولة إيران النار على المتظاهرين، وتستمر المذبحة الوحشية بشكل صارخ في شوارع إيران… لقد تسببت الجمهورية الإسلامية في حمام دم لتأخير انهيارها.” وأضاف: “هذا ليس مجرد فيلم أو قصة، هذا واقع يكتب بالرصاص يوما بعد يوم.” ثم وجه نداءً عاجلاً إلى مجتمع السينما: “اليوم، تتمتع السينما بالقدرة على الوقوف إلى جانب الأشخاص العزل. دعونا نقف إلى جانبهم.”
هذا الخطاب القوي هز الجمهور، وأثار نقاشًا واسعًا حول دور السينما في التعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية. وقد أثار إعجاب العديد من الحاضرين، بمن فيهم كلينت بنتلي وجريج كويداربال، اللذين فازا بجائزة أفضل سيناريو مقتبس عن فيلمهما “Train Dreams”. بنتلي، بعد كلمته، شكر بناهي على تذكيره بأهمية استخدام السينما كأداة للتغيير.
في الختام، لم يكن حفل توزيع جوائز المجلس الوطني للمراجعة مجرد احتفال بالإنجازات السينمائية، بل كان منصة للتعبير عن القلق بشأن الأحداث الجارية في العالم، ونداءً للعمل من أجل تحقيق العدالة والسلام. أفضل فيلم لهذا العام، “One Battle After Another”، قد يكون هو الفائز بالجائزة، ولكن أصداء كلمات كوغلر وبناهي ستظل تتردد في أذهان الحاضرين لفترة طويلة. هذا الحفل يذكرنا بقوة السينما في التأثير على الرأي العام، وأهمية استخدامها للدفاع عن القيم الإنسانية. كما يبرز أهمية دعم صناع الأفلام المستقلين الذين يجرؤون على طرح قضايا حساسة ومثيرة للجدل.

