بكين – في مشهد يجمع بين القوة والرشاقة، تتألق تشانغ وانتينغ، ممثلة أوبرا بكين، بمهارة فريدة تتطلب سنوات من التدريب الشاق والإتقان. ترتدي زي المحارب الأحمر والأبيض المميز، وتجسد شخصية البطلة المقنعة، وتأسر القلوب بعرضها المذهل الذي يجمع بين الفن القتالي والبهلوانية. هذا المقال يسلط الضوء على رحلة تشانغ في إتقان فن أوبرا بكين، خاصة تلك الخدعة الصعبة التي تتم على الكرسي.

جذور أوبرا بكين وتحديات فن الأداء التقليدي

أوبرا بكين، هذا الشكل الفني المسرحي الصيني العريق، ليس مجرد عرض بل هو مزيج متكامل من الغناء والرقص والتمثيل والأداء القتالي. تعود جذورها إلى قرون مضت، وتحديدًا إلى عهد أسرة تشينغ، حيث كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبلاط الإمبراطوري. لكن هذا الفن يواجه تحديات كبيرة في العصر الحديث، مع تزايد شعبية الترفيه الرقمي وفنون الأداء المعاصرة. هناك قلق متزايد من فقدان هذا التراث الثقافي الغني، وهو ما يدفع فنانين شبابًا مثل تشانغ إلى تكريس أنفسهم لإحياء هذا الفن.

اليوم، تسعى فرق أوبرا بكين إلى جذب انتباه جمهور أوسع، مع الحفاظ على أصالة التقاليد. وهنا تبرز أهمية الابتكار والتجديد في أساليب الأداء.

سنوات من التدريب: رحلة إتقان فن التوازن

بدأت تشانغ رحلتها مع أوبرا بكين في سن مبكرة، حيث شاهدت أطفالًا يتدربون في مركز ثقافي في مقاطعة خبي. انضمت إليهم، واكتشفت موهبتها وشغفها بهذا الفن. بعد المدرسة الابتدائية، اتخذت قرارًا جريئًا بالانضمام إلى مدرسة المسرح في مقاطعة جيانغسو، وهي خطوة مصيرية في مسيرتها المهنية.

التركيز على القوة والمرونة هو أساس التدريب في أوبرا بكين. غالبًا ما يبدأ الفنانون التدريب في سن مبكرة جدًا لتنمية هذه الصفات الجسدية الضرورية. ويتضمن هذا التدريب المكثف تمارين متكررة وشاقة، وغالبًا ما تكون مصحوبة بـ “العرق والدموع” كما تصفها تشانغ.

التحدي الأكبر: خدعة الكرسي

تتطلب وضعية الكرسي التوازن على ساق واحدة، والتقوس للخلف، وتمديد الذراعين للأمام بثبات تام. هذه الوضعية مستمدة من مهارة أساسية في أوبرا بكين تسمى “تانهاي” (التحديق في البحر)، وهي مهارة تتطلب توازنًا ومرونة وتحكمًا هائلين. تشانغ تقول أن إتقان هذه التقنية هو “مستوى آخر” حتى لمن لديهم أساس قوي في مهارات مثل التانهاي.

“أول شيء يجب أن أتغلب عليه هو خوفي”، هكذا عبرت تشانغ عن تجربتها في تعلم هذه الخدعة الصعبة. قضت فصلًا دراسيًا كاملاً في الوقوف بشكل متكرر على مقبض كرسي يبلغ عرضه بضعة سنتيمترات فقط، وعلى ارتفاع أكثر من 70 سم عن الأرض، وذلك للتغلب على هذا الخوف وإتقان التوازن. كانت تحمل الكرسي في كل مكان وتتدرب كلما سنحت لها الفرصة.

“البطلة المقنعة”: التجسيد الفني والروح القتالية

في عام 2015، خلال دراستها الجامعية، حصلت تشانغ على فرصة للدراسة مع سونغ دانجو، وهي فنانة أوبرا بكين بارعة وابنة مؤسس مدرسة سونغ. تتميز مدرسة سونغ بدمج الأدوار القتالية النسائية في قلب العروض، من خلال الأعمال المثيرة والإبداعية وأسلوب الأداء المتجدد.

تألقت تشانغ في دور وان شيانغيو في مسرحية “البطلة المقنعة”، وهي امرأة شجاعة تحارب الظلم وتحمي الضعفاء، تاركة عائلتها لتصبح قائدة ميليشيا في الصين القديمة. تكامل الأداء على الكرسي مع حبكة المسرحية يجعلها أكثر إقناعًا وتأثيرًا، وفقًا لتشانغ.

تؤمن تشانغ بأهمية الجمع بين المهارة والعاطفة في الأداء، قائلة: “لدينا قول مأثور: ‘اللعب بدون مهارة ليس رائعًا؛ واللعب بدون عاطفة لا يتحرك'”.

مستقبل أوبرا بكين: جيل جديد يواصل المسيرة

تشانغ الآن فنانة محترفة في فرقة مسرح جينغجو في بكين، إحدى أفضل فرق أوبرا بكين في الصين، وقد قدمت أكثر من 150 عرضًا خلال تسع سنوات. تتطلب كل مسرحية تعلم حركات مثيرة جديدة، أو تحسين الحركات القديمة إلى حد الكمال.

تعتبر تشانغ أن تطوير أسلوبها في أوبرا بكين هو سعي مستمر مدى الحياة. وتقول: “أريد فقط إحراز تقدم خطوة بخطوة وأداء كل عرض بأفضل ما أستطيع”. “اللحظة الأكثر متعة هي عندما ينتهي العرض ويصفق الجمهور.” ومع وجود فنانين شباب مثل تشانغ، يبدو مستقبل هذا الفن المسرحي الصيني العريق واعدًا، حيث يواصلون إحياء التقاليد وتقديمها للأجيال القادمة.

أهمية الحفاظ على تراث أوبرا بكين

إن جهود فنانين مثل تشانغ ليست مجرد إظهار للمهارات الفنية، بل هي أيضًا مساهمة في الحفاظ على التراث الثقافي الصيني. من خلال دمج الأداء التقليدي مع عناصر مبتكرة، مثل الأداء الديناميكي على الكرسي، يمكنهم جذب جمهور جديد والحفاظ على استمرارية هذا الفن للأجيال القادمة. ف أوبرا بكين ليست مجرد عرض مسرحي، بل هي انعكاس للتاريخ والقيم والروح الصينية.

شاركها.
Exit mobile version