إريك فون دانكن، الكاتب السويسري الذي أثار الجدل بنظرياته حول أصول الحضارات القديمة وعلاقتها بالكائنات الفضائية، رحل عن عالمنا عن عمر يناهز 90 عامًا. اشتهر فون دانكن بكتابه الأكثر مبيعًا “عربات الآلهة”، والذي أطلق العنان لموجة من التكهنات حول تدخلات فضائية في تاريخ البشرية. هذا المقال يستعرض حياة هذا الكاتب المثير للجدل، وأعماله، وتأثيره، والانتقادات التي واجهها.
من هو إريك فون دانكن؟ نظرة على حياة رائد نظريات الفضائيين القدماء
ولد إريك فون دانكن في عام 1935 في شافهاوزن، سويسرا، ونشأ في كنف عائلة كاثوليكية متدينة. سرعان ما تمرد على تعاليم والده والكنيسة، وبدأ في تطوير أفكاره الخاصة حول أصول الحياة والكون. لم تكن حياة فون دانكن خالية من الصعوبات، فقد عمل كنادل وحارس حانة بعد ترك المدرسة، وتعرض لاتهامات بالاحتيال وسُجن لفترات قصيرة. هذه التجارب المبكرة ربما ساهمت في تشكيل شخصيته المتمردة ورؤيته غير التقليدية للعالم.
“عربات الآلهة” والانطلاقة نحو الشهرة والجدل
في عام 1968، نشر إريك فون دانكن كتابه الأول “عربات الآلهة” (Chariots of the Gods?)، والذي حقق نجاحًا باهرًا على مستوى العالم. في هذا الكتاب، يطرح فون دانكن فكرة جريئة مفادها أن كائنات فضائية زارت الأرض في الماضي السحيق، وتواصلت مع الحضارات القديمة مثل حضارة المايا والمصريين القدماء، وقدمت لهم التكنولوجيا والمعرفة التي مكنتهم من بناء هياكل ضخمة مثل الأهرامات.
أثار الكتاب عاصفة من الجدل، حيث رفضه المجتمع العلمي بشدة واعتبره قائمًا على التخمينات والتفسيرات الخاطئة للحقائق التاريخية والأثرية. ومع ذلك، لقي الكتاب استحسانًا كبيرًا بين عامة الناس وعشاق الخوارق، وألهم العديد من الأشخاص للتفكير في إمكانية وجود حياة ذكية خارج كوكب الأرض وتأثيرها على تاريخنا. إريك فون دانكن أصبح اسمًا مألوفًا، ونظرياته انتشرت كالنار في الهشيم.
تأثير “عربات الآلهة” على الثقافة الشعبية
لم يقتصر تأثير كتاب “عربات الآلهة” على الأوساط العلمية والشعبية فحسب، بل امتد أيضًا إلى الثقافة الشعبية. ألهم الكتاب العديد من الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية التي تتناول موضوع الحضارات القديمة و نظريات الفضائيين، بما في ذلك المسلسل التلفزيوني الشهير “The X-Files”. كما أدى إلى ظهور حركة “علم الآثار البديل” التي تسعى إلى إعادة تفسير الآثار القديمة في ضوء فكرة التدخلات الفضائية.
مسيرة أدبية حافلة بالجدل والانتقادات
بعد نجاح “عربات الآلهة”، واصل إريك فون دانكن كتابة أكثر من عشرين كتابًا آخرًا، استكشف فيها مواضيع مماثلة مثل الألغاز الأثرية، والأجسام الطائرة المجهولة، وإمكانية وجود حياة على كواكب أخرى. باعت كتبه ما يقرب من 70 مليون نسخة بأكثر من 30 لغة، مما جعله أحد المؤلفين السويسريين الأكثر قراءة على نطاق واسع.
ومع ذلك، لم يتوقف الجدل والانتقادات حول أعماله. اتُهم فون دانكن بالتحيز، والتلاعب بالحقائق، والاعتماد على مصادر غير موثوقة. كما تعرض لاتهامات بالتهرب الضريبي والمخالفات المالية، مما أدى إلى سجنه مرة أخرى في عام 1970. على الرغم من هذه الانتقادات، ظل فون دانكن متمسكًا بنظرياته، وأصر على أن الأدلة تدعم فكرته عن زيارات الكائنات الفضائية للأرض.
الإرث والحديقة الغامضة
حتى بعد مواجهة أدلة مزيفة في فيلم وثائقي، أصر فون دانكن على صحة نظرياته الأساسية. في عام 1991، حصل على “وسام اللعين”، وهو جائزة ساخرة تُمنح للأشخاص الذين يقدمون مساهمات غير عادية في مجال العلوم الزائفة.
أحد مشاريع فون دانكن الأخيرة كان إنشاء “الحديقة الغامضة” (Mystic Park) في سويسرا، وهي حديقة ترفيهية تعتمد على كتبه ونظرياته. ولكن المشروع فشل بسبب قلة الاهتمام، ولا تزال الحديقة مهجورة حتى اليوم، مع أهراماتها وقبابها التي تتعرض للتلف.
رحل إريك فون دانكن عن عالمنا تاركًا وراءه زوجته وابنته وحفيدين. على الرغم من الجدل الذي أثارته أعماله، إلا أنه ترك بصمة واضحة في الثقافة الشعبية، وألهم الكثيرين للتفكير في إمكانية وجود حياة ذكية خارج كوكب الأرض وتأثيرها على تاريخنا. سيظل اسمه مرتبطًا بنظريات الفضائيين القدماء و الأسرار الأثرية التي أثارت فضول الملايين حول العالم.

