واشنطن – شهد معرض الصور الوطني التابع لمؤسسة سميثسونيان في العاصمة واشنطن تغييرًا ملحوظًا في طريقة عرض إرث الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مما أثار جدلاً واسعًا حول دور المؤسسات الثقافية في توثيق التاريخ، وخاصة في ظل اتهامات بالتحيز الموجهة للمؤسسة من قبل الرئيس نفسه. يركز هذا المقال على تفاصيل هذا التغيير، والخلفية التي أدت إليه، والتداعيات المحتملة على كيفية تقديم التاريخ الأمريكي للجمهور.

إزالة السياق التاريخي من عرض صور دونالد ترامب

تمت إزالة النصوص التوضيحية التي كانت مصاحبة لصورة الرئيس ترامب في معرض “الرؤساء الأمريكيين”. هذه النصوص، والتي كانت تقدم ملخصًا لرئاسته الأولى وتشير إلى فوزه المثير للجدل في انتخابات عام 2024، أصبحت الآن غائبة، تاركة الصورة معلقة بدون سياق. وهذا يعني أن ترامب هو الرئيس الوحيد الذي لا يظهر عرضه في المعرض مع معلومات تفصيلية عن فترة ولايته.

في السابق، كان النص المصاحب للصورة يذكر الترشيحات القضائية التي قام بها ترامب للمحكمة العليا، وجهوده في تطوير لقاحات كوفيد-19، والأهم من ذلك، إجراءات عزله مرتين من الكونغرس على خلفية اتهامات بسوء استخدام السلطة والتحريض على التمرد بعد أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، وبرأته في كلتا المحاكمتين.

ردود الفعل الرسمية والتأكيدات المتضاربة

لم يصدر البيت الأبيض أي بيان رسمي حول هذه التغييرات، ولم تقدم مؤسسة سميثسونيان نفسها توضيحًا مباشرًا بشأن أسباب إزالة النصوص. ومع ذلك، يعود هذا الإجراء إلى سلسلة من المطالبات التي وجهها الرئيس ترامب نفسه، حيث أمر في أغسطس الماضي بمراجعة جميع المعروضات في المؤسسة قبل الاحتفال بالذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة.

أكدت الإدارة الجمهورية آنذاك أن الهدف من هذه المراجعة هو “ضمان التوافق مع توجيهات الرئيس للاحتفال بالاستثناء الأمريكي، وإزالة الروايات المثيرة للانقسام أو الحزبية، واستعادة الثقة في مؤسساتنا الثقافية المشتركة”. هذا التصريح يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التعديلات في معرض الصور هي نتيجة مباشرة لتلك التوجيهات.

بالمقابل، احتفى المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل، بالصورة الجديدة، مشيرًا إلى أن ذلك يضمن أن “هالة ترامب التي لا مثيل لها… ستشعر بها في جميع أنحاء قاعات معرض الصور الوطني”. يبدو هذا التصريح بمثابة تأكيد غير مباشر على رغبة الإدارة في عرض صورة إيجابية للرئيس ترامب.

سياق أوسع: تدخل ترامب في المؤسسات الثقافية

لا يقتصر الأمر على مجرد تغيير في نص تعريفي في معرض صور. يمثل هذا الإجراء جزءًا من نمط أوسع من التدخل في المؤسسات الثقافية التي سعى إليها الرئيس ترامب خلال فترة رئاسته وحتى بعد مغادرته المكتب. فقد قام بتغييرات كبيرة في القيادة داخل مؤسسة سميثسونيان، بما في ذلك إقالة مدير معرض الصور الوطني، كيم ساجيت، وفقًا لتقارير صحفية.

في البيت الأبيض، قام ترامب بتصميم “ممشى المشاهير الرئاسي” الذي يضم صورًا مذهبة له ولأسلافه، باستثناء الرئيس بايدن الذي تم تمثيله بقلم آلي. كما أن اللوحات المصاحبة للصور كانت ذات طابع حزبي واضح، حيث أشاد ترامب بنفسه واعتبر رئاسته “ناجحة تاريخيًا”، بينما وصف إدارة بايدن بأنها “أسوأ رئيس في التاريخ الأمريكي”.

تحديثات المعرض والمستقبل

أشار بيان صادر عن المعرض إلى أنه كان يجري بالفعل تحديثات دورية لصور ترامب، وأن عرض أعمال المصور دانييل توروك هو جزء من هذه التحديثات. وأضاف البيان أن المتحف يستكشف استخدام “اقتباسات أو ملصقات شواهد القبور” التي توفر معلومات عامة فقط، مثل اسم الفنان.

ومع ذلك، لا تزال الإشارات إلى محاولات عزل الرئيسين أندرو جونسون وبيل كلينتون، بالإضافة إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون، موجودة في ملصقات صورهما. يُنظر إلى هذا التباين على أنه دليل على أن التغييرات الأخيرة تتعلق بشكل خاص بصورة الرئيس ترامب، وليس مجرد جزء من تحديث شامل للمعرض.

الخلاصة: جدل مستمر حول تمثيل التاريخ

إن قضية إزالة النص من صورة الرئيس ترامب في معرض الصور الوطني تثير تساؤلات مهمة حول دور المؤسسات الثقافية في توثيق التاريخ الأمريكي، وأهمية الحيادية والموضوعية في هذا التوثيق. الرئيس ترامب أظهر بوضوح رغبته في تشكيل كيفية تصويره وتاريخه، وسعى إلى التأثير على طريقة عرض الرؤساء الأمريكيين في هذه المؤسسات.

من المهم مراقبة هذه التطورات، وفهم السياق السياسي الذي يدفعها، والنقاش حول كيفية ضمان أن تعكس هذه المؤسسات تاريخًا كاملاً ودقيقًا، مع إعطاء الأولوية للدقة التاريخية بدلًا من الروايات والانتقاءات الذاتية. هذا الجدل حول معرض الصور الوطني لن يهدأ قريبًا، وسيبقى قضية رئيسية في النقاش الدائر حول الذاكرة الجماعية والأرشيف التاريخي في الولايات المتحدة.

شاركها.
Exit mobile version