تستقبل دار الأوبرا الملكية في لندن موسمًا جديدًا ينبض بالحياة والتجديد، مع تولي قائدين موسيقيين شابين زمام الأمور، ما يمثل تحولًا هامًا في تاريخ المؤسسة العريقة. هذا التغيير، الذي يشمل تعيين جاكوب هرشا كقائد موسيقي جديد بعد 22 عامًا من الإدارة الناجحة لأنطونيو بابانو، وتعيين سبيرانزا سكابوتشي كأول قائدة ضيف رئيسية منذ ثلاثة عقود، يبشر بعصر ذهبي جديد من الإبداع الموسيقي والمسرحي. يمثل هذا التحول في القيادة فرصة لإعادة تعريف فن الأوبرا وتقديم رؤى جديدة للجمهور.

جيل جديد يقود الأوبرا الملكية في لندن

يشهد الموسم الحالي في الأوبرا الملكية في لندن بداية حقبة جديدة، حيث يضطلع جاكوب هرشا وسبيرانزا سكابوتشي بأدوار قيادية محورية. قاد هرشا بالفعل أول عرض مسرحي جديد للشركة لـ “توسكا” لبوتشيني منذ عام 2006، بالإضافة إلى أول إنتاج لـ “قضية ماكروبولوس” لـ ياناتشيك هذا الخريف. بينما قامت سكابوتشي بإحياء أوبرا “فيسبرز الصقلية” لفيردي في نسختها الفرنسية الأصلية النادرة.

هرشا، البالغ من العمر 44 عامًا، خلف أنطونيو بابانو الذي ترك منصبه بعد فترة طويلة ومثمرة قاد خلالها كوفنت جاردن من عام 2002 إلى عام 2024. بابانو، الذي بدأ كأصغر مدير موسيقي في تاريخ الشركة، انتقل الآن إلى قيادة أوركسترا لندن السيمفونية. هذا التغيير ليس مجرد انتقال في المناصب، بل هو إشارة إلى جيل جديد من القادة الموسيقيين الذين يجلبون معهم أساليبًا وتصورات فريدة.

جاكوب هرشا: رؤية جديدة للقيادة الموسيقية

يؤمن جاكوب هرشا بأهمية التفاصيل الدقيقة في عملية التدريب والتجهيز للأوبرا. ويقول: “كل القليل له أهميته. إن كل إيماءة غير لفظية تقريبًا تقوم بها في كل تدريب تؤدي في المجمل إلى حياة مهنية ناجحة، إذا كنت تعرف ما أعنيه.” ويشدد على أن بناء العلاقة مع الموسيقيين والتركيز على الجودة الفنية هما أساس النجاح، أكثر من مجرد الإعلان عن رؤى طموحة.

هرشا، المولود في مدينة برنو التشيكية، درس في أكاديمية الفنون المسرحية في براغ، وشغل منصب قائد رئيسي لأوركسترا براغ الفيلهارمونية من 2008 إلى 2015. كما أنه قائد رئيسي لفرقة بامبرج السيمفونية الألمانية منذ 2016-2017، وسيتولى قيادة الأوركسترا التشيكية في 2028-2029. يعتبر هرشا فنانًا متعدد المواهب، حيث يجمع بين الخبرة الأكاديمية والقيادة العملية. ويخطط لإحياء أوبرا “بيتر غرايمز” لبريتن في مايو القادم.

التوازن بين التجديد والتقاليد في برمجة الأوبرا

يؤكد هرشا على أهمية التوازن بين تقديم أعمال جديدة ومبتكرة والحفاظ على الأعمال الكلاسيكية المحبوبة. ويقول: “بالطبع، يجب أن تعيش دار الأوبرا بشكل جيد من الناحية المالية، وبالتالي يتعين علينا أن نضمن أن مقطوعات الأوبرا المفضلة والمحبوبة والتي تجذب دائمًا انتباه عامة الناس يتم تقديمها بانتظام.” ويشير إلى أن شركات الأوبرا الكبرى تتحرك ببطء، وأن التخطيط للبرامج يبدأ قبل سنوات عديدة.

تتضمن اختياراته أعمالًا أوبرالية تشيكية، مما يعكس جذوره الفنية. هذا التوجه يهدف إلى إثراء المشهد الأوبرالي في لندن وتقديم تجارب فريدة للجمهور. الأوبرا هي فن متكامل يتطلب تخطيطًا دقيقًا وتعاونًا بين مختلف العناصر الفنية والإنتاجية.

سبيرانزا سكابوتشي: رائدة في عالم القيادة الأوبرالية

تمثل سبيرانزا سكابوتشي علامة فارقة في تاريخ الأوبرا الملكية، حيث أصبحت أول قائدة ضيف رئيسية منذ دانييلي جاتي في الفترة من 1994 إلى 1997. سكابوتشي، البالغة من العمر 52 عامًا، نشأت في روما ودرست في معهد الموسيقى سانتا سيسيليا ثم مدرسة جويليارد. بدأت مسيرتها المهنية كعازفة بيانو ومدربة، لكنها سرعان ما اكتشفت شغفها بالقيادة الأوبرالية.

بعد مساعدة ريكاردو موتي، أصبحت سكابوتشي قائدة فرقة موسيقية، وشغلت منصب مديرة الموسيقى في أوبرا رويال دي والوني البلجيكية من 2017 إلى 2022. كما أنها أول امرأة إيطالية تقود في تياترو ألا سكالا في ميلانو. قادت سكابوتشي الأوبرا الملكية لأول مرة في “أتيلا” لفيردي في عام 2022، وتلتزم بتقديم إنتاج واحد على الأقل في كل موسم، وأحيانًا اثنين. القيادة الأوبرالية تتطلب مهارات فنية وإدارية عالية، بالإضافة إلى القدرة على التواصل الفعال مع الموسيقيين والمغنين.

التعاون والتخطيط المشترك في الأوبرا الملكية

تعمل سكابوتشي جنبًا إلى جنب مع جاكوب هرشا ومدير أوبرا كوفنت جاردن أوليفر ميرز، ومدير اختيار الممثلين بيتر كاتونا، والمدير المساعد نتيا جونز. وتصف سكابوتشي عملها مع هرشا بالقول: “أحب العمل مع جاكوب لأنه يتمتع برؤية عظيمة للمستقبل وهو موسيقي عظيم وإنسان ودود حقًا.” هذا التعاون الوثيق يعكس التزام الأوبرا الملكية بتعزيز الإبداع والابتكار.

تخطط سكابوتشي لتقديم أعمال بيل كانتو وفيردي وبوتشيني، بالإضافة إلى عمل كبير قادم في Opéra-Comique بباريس، حيث ستقود النسخة الفرنسية النادرة من “لوسي دي لامرمور” لدونيزيتي. الموسيقى الكلاسيكية هي جوهر الأوبرا، وتتطلب فهمًا عميقًا للتاريخ الموسيقي والأساليب المختلفة.

مستقبل الأوبرا الملكية في لندن

يرى كلايف جيلينسون، المدير التنفيذي لقاعة كارنيجي، أن هذا التغيير في القيادة يمثل فرصة لإعادة تعريف فن الأوبرا وتقديم مبادرات جديدة. ويقول: “إنه يعيد تعريف من هم. بالطبع سيفتقدون توني، لقد كان له تأثير غير عادي هناك.” ويضيف: “يجب على المرء أن يستمر في إعادة تعريف فننا وألا يقف ساكناً أبدًا.”

تتميز الأوبرا بطبيعتها المسرحية التي تعزز العلاقات العميقة بين الممثلين وطاقم المسرح والمغنين والقادة وفرق الإنتاج. سكابوتشي تؤكد على أهمية هذه العلاقات، وتقول: “أحب فكرة الذهاب كل يوم والتواجد على خشبة المسرح ورؤية ما يحدث لأنه بهذه الطريقة يمكنك البناء.”

مع تولي جيل جديد القيادة، تتجه الأوبرا الملكية في لندن نحو مستقبل واعد، مليء بالإبداع والابتكار والتجديد. هذا التحول يمثل فرصة لتقديم تجارب أوبرالية فريدة للجمهور وتعزيز مكانة لندن كمركز عالمي للموسيقى والثقافة.

شاركها.
Exit mobile version