في تطور مثير للجدل، ألغى منظمو أسبوع كتاب أديلايد، أكبر مهرجان أدبي مجاني في أستراليا، فعاليات هذا العام بعد انسحاب جماعي للكتاب والمتحدثين احتجاجًا على استبعاد الكاتبة الفلسطينية الأسترالية راندا عبد الفتاح. هذا القرار أثار نقاشًا حادًا حول حرية التعبير، وخطاب الكراهية، والتوازن بين الحساسيات الثقافية والأمن القومي في أستراليا.

إلغاء دعوة راندا عبد الفتاح: الشرارة التي أشعلت الجدل

بدأت الأزمة في الثامن من يناير، عندما أعلن مجلس إدارة مهرجان أديلايد عن إلغاء دعوة راندا عبد الفتاح للمشاركة في المهرجان. وبرر المجلس قراره بالإشارة إلى “تصريحاتها السابقة” و”الحساسيات الثقافية” في أعقاب إطلاق النار الجماعي الذي استهدف كنيسًا يهوديًا في سيدني. وأكدوا أنه لا يوجد دليل على أن عبد الفتاح أو كتاباتها مرتبطة بشكل مباشر بالهجوم.

لكن عبد الفتاح رفضت هذا التبرير بشدة، واصفةً إياه بأنه “رقابة” وأن مجرد وجودها يُعتبر أمرًا غير مقبول ثقافيًا. تأتي انتقاداتها في سياق نقاش وطني أوسع حول حدود حرية التعبير، خاصةً بعد حادثة إطلاق النار في مناسبة عيد حانوكا في ديسمبر الماضي، والتي أودت بحياة 15 شخصًا.

ردود الفعل الصادمة وانسحاب المتحدثين

لم يقتصر رد الفعل على عبد الفتاح وحدها، بل امتد ليشمل العديد من الكتاب والأكاديميين البارزين. الروائية البريطانية زادي سميث ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن كانتا من بين أكثر من 180 متحدثًا انسحبوا من المهرجان احتجاجًا على هذا القرار. كما أعلنت مديرة المهرجان، لويز أدلر، استقالتها معربة عن معارضتها الشديدة للإلغاء.

أدلر، وهي أسترالية يهودية، كتبت في صحيفة الغارديان أنها لا تستطيع أن تكون “طرفًا في إسكات الكتاب”. وأشارت إلى أن 70% من المتحدثين في الحدث قد انسحبوا، مما أدى في النهاية إلى إلغاء أسبوع الكتاب بالكامل.

اتهامات بالعنصرية المعادية للفلسطينيين واعتذار غير كاف

بعد إلغاء المهرجان، نشرت راندا عبد الفتاح بيانًا على منصة X (تويتر سابقًا) اعتبرت فيه أن القرار كان “عملًا صارخًا من العنصرية المعادية للفلسطينيين“. وانتقدت مجلس الإدارة لتقديمهم اعتذارًا عن طريقة عزلها، وليس عن القرار نفسه.

كما أرسلت إخطارًا قانونيًا إلى رئيس وزراء ولاية جنوب أستراليا، بيتر ماليناوسكوس، مهددة باتخاذ إجراءات قانونية بتهمة التشهير، وذلك بعد أن قارن ظهورها في المهرجان بظهور متطرف صهيوني يميني. هذه التصريحات أثارت غضبًا واسعًا، وأدت إلى مزيد من التصعيد في الجدل.

التصريحات المثيرة للجدل حول إسرائيل والصهيونية

أثارت بعض التصريحات السابقة لعبد الفتاح، المتعلقة بإسرائيل والصهيونية، جدلاً إضافيًا. فقد نشرت صورة بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر تظهر مظلة تحمل العلم الفلسطيني، وأوضحت أنها لم تكن على علم بحجم الخسائر في ذلك الوقت. كما تعرضت لانتقادات بسبب كتابتها أن “الصهاينة ليس لديهم أي ادعاء أو حق في السلامة الثقافية”، وهو ما أكدت أنه لا يعني الدعوة إلى عدم أمان اليهود.

هذه التصريحات، بالإضافة إلى انتقاداتها المستمرة للحكومة الإسرائيلية ودفاعها عن الفلسطينيين، أدت إلى الضغط على مجلس إدارة المهرجان من قبل بعض الجماعات اليهودية، التي طالبت باستبعادها.

تداعيات أوسع: قوانين خطاب الكراهية والتحقيق الوطني

تأتي هذه الحادثة في وقت تشهد فيه أستراليا نقاشًا متزايدًا حول قوانين خطاب الكراهية، خاصةً بعد ارتفاع حوادث معاداة السامية في سيدني وملبورن. وقد أصدرت ولاية نيو ساوث ويلز قانونًا جديدًا يمنع التجمعات الاحتجاجية بعد إعلانات الإرهاب، وتدرس أيضًا تجريم بعض الهتافات المستخدمة في المسيرات المؤيدة للفلسطينيين.

ردًا على هذه الأحداث، أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز عن استدعاء البرلمان الفيدرالي في يناير للتصويت على إجراءات جديدة لتشديد الرقابة على الأسلحة وخفض الحدود الجنائية لمحاكمة خطاب الكراهية. كما أعلن عن إطلاق تحقيق وطني كبير، يُعرف بلجنة ملكية، للتحقيق في معاداة السامية في أستراليا وهجوم بوندي على وجه الخصوص.

خاتمة: توازن صعب بين حرية التعبير والأمن

إن إلغاء أسبوع كتاب أديلايد يمثل نقطة تحول في النقاش حول حرية التعبير والحساسيات الثقافية في أستراليا. في حين أن البعض يرى أن استبعاد راندا عبد الفتاح كان ضروريًا لحماية المجتمع من خطاب الكراهية، يرى آخرون أنه يمثل اعتداءً على حرية التعبير ويخلق مناخًا من الخوف.

من الواضح أن إيجاد توازن بين هذه القيم المتنافسة سيكون تحديًا كبيرًا في المستقبل. ويتطلب ذلك حوارًا مفتوحًا وصادقًا، واحترامًا متبادلًا، والتزامًا بحماية حقوق جميع المواطنين. هذه القضية ستستمر في إثارة الجدل والنقاش في أستراليا، وربما في أماكن أخرى حول العالم.

شاركها.
Exit mobile version