أسبوع الموضة في ميلانو اختتم فعالياته، ولم يخلُ من تأثيرات عالمية، أبرزها الروح الأولمبية التي تغلغلت في عروض الأزياء، استعدادًا لدورة الألعاب الشتوية القادمة في ميلان كورتينا 2026. لم تقتصر العروض على استعراض الملابس فحسب، بل تناولت قضايا مهمة مثل التنوع والاستدامة، مما يعكس وعيًا متزايدًا في صناعة الأزياء. شهدت الأيام الأربعة لعروض الأزياء الرجالية مزيجًا من الإبداع والتراث، مع لمحات من الأناقة الرياضية والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية.
الروح الأولمبية تسيطر على عروض ميلانو
أظهر المصممون حماسهم للألعاب الأولمبية بطرق مبتكرة ومثيرة. دار Dsquared2، بقيادة التوأمين دين ودان كاتين، قدمت عرضًا جريئًا ومرحًا، مؤكدةً على اختيارها لتصميم الزي الرسمي للمنتخب الكندي في الألعاب. افتتح العرض الممثل الكندي هدسون ويليامز، الذي اشتهر بمسلسله “Heated Rivalry”، مرتديًا سترة دنيم ممزقة مع رقم سباق لامع، في مشهد درامي ينزل فيه من درج مغطى بالثلج الاصطناعي.
لم يقتصر الإبداع على الملابس، بل امتد إلى الأحذية. ابتكرت Dsquared2 كعبًا عاليًا هجينًا للنساء يمكن تثبيته داخل حذاء تزلج، وقدمت تصميمًا مشابهًا للرجال. هذا المزيج بين الأناقة والوظيفة يعكس التوجهات الجديدة في عالم الموضة، حيث يبحث المصممون عن طرق لدمج العناصر العملية مع التصاميم الراقية. على الرغم من الاستلهام الواضح، حرص المصممون على التعامل مع الصور الأولمبية بأسلوبهم المعهود، مع إضافة لمسة من التمرد والمرح، مع مراعاة القيود الصارمة لحقوق الطبع والنشر التي تفرضها اللجنة الأولمبية الدولية.
رالف لورين: أناقة الجبال والأجواء الاحتفالية
قدم رالف لورين رؤية أكثر كلاسيكية وأناقة للأزياء المستوحاة من الأجواء الأولمبية، مستلهمًا من سحر الجبال والتزلج. تميز العرض الذي أقيم في قصر فخم في ميلانو بمجموعة من الحياكات الملونة والسترات الصوفية المريحة، التي تعكس التراث الأمريكي للعلامة التجارية. حضر العرض نخبة من المشاهير، مثل نيك جوناس وتوم هيدلستون ونوح شناب، مما أضفى عليه أجواءً احتفالية.
قال رالف لورين في حملة على وسائل التواصل الاجتماعي: “كمصمم، تشعر بالاهتزازات في العالم. عندما تعيش في مدينة نيويورك وتسافر حول العالم، تشعر بالاهتزازات، وإذا كنت حساسًا لذلك، فإنك تنمي أذنًا أو تشعر بالملابس التي تعتقد أنك سترتديها في الموسم المقبل.” هذا التصريح يعكس قدرة المصمم على التقاط روح العصر وتحويلها إلى تصاميم مبتكرة.
برادا: أغطية الرأس النحتية وتحدي المألوف
تحدى المصممون في برادا، ميوتشيا برادا وراف سيمونز، المألوف بتقديم مجموعة فريدة من أغطية الرأس الرجالية. تميزت القبعات بتصاميمها القابلة للطي المستوحاة من فن الأوريجامي، والتي يمكن تثبيتها على الجزء الخلفي من الملابس الخارجية عند فردها. بالإضافة إلى ذلك، قدمت برادا عباءة رجالية معيارية يمكن ارتداؤها مع المعاطف والسترات، مما يوفر طبقة إضافية من الحماية والعملية.
لم تقتصر الإبداعات على الملابس الخارجية، بل امتدت إلى التفاصيل الدقيقة. تميزت القمصان الرجالية بياقات على شكل تي شيرت وأزرار مخفية في الظهر، بينما تميزت أكمام السترات بأصفاد طويلة للغاية ومُلبسة عمدًا. هذه التفاصيل غير التقليدية أثارت نقاشًا واسعًا بين عشاق الموضة، لكن ميوتشيا برادا دافعت عن رؤيتها قائلة: “هذه هي الموضة.” وأضافت: “بالحديث عن الصدق الفكري، نحن نعمل لصالح علامة تجارية تبيع ملابس باهظة الثمن لأشخاص ربما أثرياء، ولذا يتعين عليك التعامل مع الجمال والأناقة لفهم ما هو قابل للتصديق.”
الاستدامة والإرث: التزام متزايد في عالم الأزياء
لم يقتصر أسبوع الموضة في ميلانو على استعراض التصاميم الجديدة، بل سلط الضوء أيضًا على أهمية الاستدامة والإرث في صناعة الأزياء. أطلقت Zegna مجموعة تركز على بناء خزانة ملابس تدوم لسنوات، مع قطع عالية الجودة يمكن توريثها عبر الأجيال. يهدف أليساندرو سارتوري، المدير الإبداعي للعلامة التجارية، إلى إنتاج ملابس تتجاوز مجرد الموضة العابرة، وتقديم قطع تعبر عن الجمال والقيمة الدائمة.
تعتبر Zegna من الشركات الرائدة في مجال الاستدامة، حيث تسيطر على حوالي 60% من سلسلة التوريد الخاصة بها. هذا الالتزام يمنحها القدرة على التحكم في جودة المواد وعمليات الإنتاج، مما يضمن ممارسات مسؤولة بيئيًا واجتماعيًا. كما أن عرض سترة عمرها قرنًا من الزمان في خلفية العرض يعزز فكرة الإرث والأصالة.
من جهتها، تميزت العلامة التجارية سيمون كراكر، التي تأسست قبل 15 عامًا، بتقديم أزياء معاد تدويرها، مما يؤكد على التزامها بالاستدامة. كما شهدت عودة الاهتمام بالتنوع والشمول، مع مشاركة مصممين من خلفيات مختلفة، مثل المصمم الغاني فيكتور هارت.
المجوهرات الرجالية: لمسة من الفخامة
شهدت عروض الأزياء في ميلانو اتجاهًا جديدًا نحو إضافة المجوهرات إلى إطلالات الرجال. تميزت عروض دولتشي آند غابانا المسائية بجواهر طية صدر السترة الفاخرة، مثل دبابيس الأزهار الكبيرة والدبابيس الذهبية المزخرفة، بالإضافة إلى السلاسل الأنيقة. كما أضاف جورجيو أرماني لمسة من الرقي إلى إطلالات الرجال من خلال دبابيس طية صدر السترة الدقيقة. وبرادا ربطت أكمامها الطويلة بشكل مبالغ فيه بأزرار أكمام مرصعة بالأحجار الكريمة، مثل اللازورد وعين النمر.
في الختام، أسبوع الموضة في ميلانو لم يكن مجرد عرض للأزياء، بل كان انعكاسًا لروح العصر وتحدياته. من خلال استلهام الأولمبية، والتركيز على الاستدامة والتنوع، وتقديم تصاميم مبتكرة، أثبت المصممون أن الموضة يمكن أن تكون قوة إيجابية للتغيير. هذا الحدث يمثل نقطة تحول في صناعة الأزياء، حيث يتزايد الوعي بأهمية المسؤولية الاجتماعية والبيئية، مما يبشر بمستقبل أكثر إشراقًا واستدامة. نتطلع لرؤية كيف ستتطور هذه التوجهات في المواسم القادمة، وكيف ستستمر العلامات التجارية في إلهامنا بابتكاراتها وإبداعاتها.

