فيتنام على مفترق طرق: مؤتمر الحزب الشيوعي يحدد مستقبل البلاد
بدأ في هانوي، عاصمة فيتنام، الاجتماع السياسي الأهم في البلاد، حيث يتجمع 1586 مندوبًا من مختلف أنحاء فيتنام لتقييم مسار السنوات الخمس الماضية وتحديد القيادة الجديدة والأولويات السياسية والاقتصادية للفترة القادمة. هذا المؤتمر الوطني، الذي يعقد كل خمس سنوات، هو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب الشيوعي الفيتنامي، ويشكل نقطة تحول حاسمة في مستقبل البلاد. يترقب المراقبون عن كثب نتائج هذا الاجتماع، خاصةً فيما يتعلق بمستقبل القيادة الفيتنامية وتوجهاتها الاقتصادية في ظل التحديات العالمية المتزايدة.
ترسيخ السلطة: مستقبل تو لام السياسي
أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها المؤتمر هو مستقبل الأمين العام للحزب الشيوعي، تو لام. من المتوقع على نطاق واسع أن يتم تأكيد تو لام لولاية كاملة مدتها خمس سنوات، مما يضمن استمرار رؤيته في قيادة البلاد. لكن الترقب الأكبر يتعلق بما إذا كان سيجمع بين منصبي رئيس الحزب ورئيس الدولة.
هذا التحرك، الذي يتوقعه العديد من الدبلوماسيين والمحللين، سيؤدي إلى تركيز السلطة بشكل كبير، على غرار النموذج السياسي الصيني في عهد شي جين بينغ، وكذلك ما نشهده في دولة لاوس المجاورة. تقليديًا، تعتمد فيتنام على نظام “أربعة ركائز” يوازن بين رئيس الحزب والرئيس ورئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية. تغيير هذا النظام سيمنح تو لام قوة لم يسبق لها مثيل منذ عقود، مما قد يعيد تشكيل المشهد السياسي في فيتنام.
إصلاحات جريئة ومكافحة الفساد: إرث تو لام حتى الآن
خلال فترة ولايته الأولى، أشرف تو لام على جولة طموحة من الإصلاحات البيروقراطية والاقتصادية، وهي الأوسع منذ أواخر الثمانينيات، عندما بدأت فيتنام في تحرير اقتصادها. شملت هذه الإصلاحات إلغاء عشرات الآلاف من الوظائف في القطاع العام، وإعادة رسم الحدود الإدارية لتسريع عملية صنع القرار، وإطلاق العشرات من مشاريع البنية التحتية الكبرى.
بالإضافة إلى ذلك، قاد تو لام حملة مكافحة الفساد التي بدأها سلفه نجوين فو ترونج، والتي أدت إلى إقالة ستة من أعضاء المكتب السياسي الثمانية عشر، بمن فيهم اثنان من الرؤساء السابقين ورئيس البرلمان. هذه الحملة، على الرغم من كونها مثيرة للجدل، تعكس التزام تو لام بتطهير الدولة من الفساد وتعزيز الشفافية. ويرى البعض أن هذه الإصلاحات تهدف إلى تحديث الاقتصاد الفيتنامي وجعله أكثر قدرة على المنافسة في السوق العالمية.
فيتنام 2045: هل يتحقق حلم الدخل المرتفع؟
يخيم على المؤتمر طموح وطني كبير: تحويل فيتنام إلى دولة ذات دخل مرتفع بحلول عام 2045. هذا الهدف الطموح سيشكل السياسات والاقتصاد والمكانة الدولية لفيتنام في العقود القادمة. من المتوقع أن يضع المندوبون اللمسات الأخيرة على قرار يهدف إلى تحقيق متوسط نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي يبلغ 10% أو أكثر في الفترة من 2026 إلى 2030، وهو ما يتجاوز هدف النمو السابق الذي يتراوح بين 6.5% و 7%.
لتحقيق هذا النمو، تركز المسودة على تطوير الصناعة، وتحديث الإنتاج، وزيادة الاعتماد على العلوم والتكنولوجيا والأدوات الرقمية. مثال على ذلك هو مشروع شركة فيتيل، التابعة للجيش، لإنشاء أول مصنع لرقائق أشباه الموصلات في فيتنام، والذي يهدف إلى بدء الإنتاج التجريبي بحلول عام 2027. هذا المشروع يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء قدرات تكنولوجية متقدمة وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
القطاع الخاص والشؤون الخارجية: محاور جديدة للتركيز
تؤكد الوثيقة أيضًا على أهمية القطاع الخاص، واصفة إياه بأنه “أحد أهم القوى الدافعة للاقتصاد”. هذا التأكيد يعكس تحولًا في السياسة الاقتصادية نحو النمو الذي تقوده الشركات، بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للشركات المملوكة للدولة. قد يسعى تو لام إلى تعميق هذا النهج من خلال منح التكتلات الخاصة الكبيرة دورًا أكبر في المشاريع الكبرى في جميع أنحاء فيتنام.
بالإضافة إلى ذلك، تضع الوثيقة “الشؤون الخارجية والتكامل الدولي” على قدم المساواة مع الدفاع والأمن الوطنيين، مما يعكس مدى اعتماد السياسة الفيتنامية على الأسواق العالمية والجغرافيا السياسية. في ظل التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، تسعى فيتنام إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع كلا القوتين، مع التركيز على تعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية.
الاستدامة البيئية: أولوية متزايدة
يشهد المؤتمر أيضًا تحولًا ملحوظًا في الاهتمام بالبيئة. تعتبر الوثيقة حماية البيئة الآن مهمة “مركزية” إلى جانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا للتحديات البيئية التي تواجه فيتنام، والتي تفاقمت بسبب النمو السريع والتصنيع. من المتوقع أن تتضمن خطط التنمية المستقبلية تدابير أكثر صرامة لحماية البيئة وتقليل التلوث.
في الختام، يمثل المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الفيتنامي حدثًا بالغ الأهمية سيحدد مسار البلاد في السنوات القادمة. من خلال تأكيد القيادة، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، والتركيز على التنمية المستدامة، تسعى فيتنام إلى تحقيق طموحها في أن تصبح دولة ذات دخل مرتفع بحلول عام 2045. سيكون من المثير للاهتمام متابعة التطورات القادمة ورؤية كيف ستتعامل فيتنام مع التحديات والفرص التي تنتظرها في عالم متغير. تابعوا آخر التطورات لمعرفة كيف ستشكل هذه القرارات مستقبل فيتنام.

