في خضم تحديات اقتصادية متزايدة، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة ولاية ميشيغان، وهي ولاية متأرجحة، للدفاع عن سياساته الاقتصادية، وعلى رأسها التعريفات الجمركية. سعى ترامب خلال هذه الزيارة إلى طمأنة الناخبين بشأن حالة سوق العمل وارتفاع الأسعار، مؤكداً أن إجراءاته عززت التصنيع المحلي. الزيارة، التي تضمنت جولة في مصنع فورد في ديربورن وخطابًا أمام نادي ديترويت الاقتصادي، جاءت في أعقاب نتائج مخيبة للآمال للجمهوريين في انتخابات حديثة، مما يعكس أهمية استعادة ثقة الناخبين.
ترامب يدافع عن سياسة التعريفات الجمركية في قلب صناعة السيارات
ركز ترامب بشكل خاص على قطاع السيارات، حيث شاهد إنتاج سيارات فورد F-150، الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة، بمختلف أنواعها، بما في ذلك نماذج الغاز والهجين والطراز رابتور المخصص للطرق الوعرة. وأشاد الرئيس بأداء شركات صناعة السيارات الأمريكية، مؤكدًا أنها “تعمل بشكل رائع”.
لكن هذه الإشادة لم تمنع ترامب من الخوض في الدفاع عن التعريفات الجمركية كأداة رئيسية لتحقيق هذا النجاح. زعم ترامب أن الرسوم الجمركية يتم دفعها بشكل كبير من قبل “الدول الأجنبية والوسطاء”، وهو ما يتعارض مع تحليلات معظم الاقتصاديين الذين يرون أن هذه الرسوم ترفع في النهاية تكاليف السلع على المستهلكين الأمريكيين، مما يزيد من الضغوط التضخمية.
“التعريفات الجمركية هي التي تدر المال لميشيغان والبلد بأكمله”، هذا ما أكده ترامب، مضيفًا أن جميع التوقعات السلبية المتعلقة بسياساته التعريفية لم تتحقق. ومع ذلك، لا يزال القلق بشأن الاقتصاد يسيطر على أذهان الناخبين، وهو ما دفع البيت الأبيض إلى التخطيط لسلسلة من الخطابات العامة التي تهدف إلى معالجة هذه المخاوف.
انحرافات في الخطاب وتصريحات مثيرة للجدل
لم يقتصر خطاب ترامب أمام نادي ديترويت الاقتصادي على السياسات الاقتصادية. فقد انحرف الرئيس بشكل ملحوظ إلى مواضيع أخرى، بما في ذلك تكرار ادعاءاته الكاذبة بأنه فاز بولاية ميشيغان ثلاث مرات (في حين أنه خسرها في عام 2020 لصالح جو بايدن). كما أثار ذكرى الثعابين التي قتلت العمال خلال بناء قناة بنما قبل أكثر من قرن، وهو ما أثار استغراب الحاضرين.
وفي محاولة لتقديم صورة إيجابية للاقتصاد، أعلن ترامب عن “عودة ازدهار ترامب الاقتصادي”، مؤكدًا أن التعريفات الجمركية كانت من بين العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذا التحول. لكنه في الوقت نفسه، ألقى باللوم على الديمقراطيين في تفاقم مشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة.
تخفيف التعريفات على السيارات وتراجع الاستثمارات في السيارات الكهربائية
على الرغم من دفاعه الشديد عن التعريفات الجمركية، فقد اتخذ ترامب خطوات لتخفيفها على قطاع السيارات. فقد أعلن في الأصل عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السيارات وقطع الغيار، ثم تراجع عن ذلك لاحقًا بهدف تخفيف العبء على شركات صناعة السيارات المحلية.
ومع ذلك، شهدت هذه السياسة نتائج متباينة. فقد أعلنت شركة فورد في ديسمبر الماضي عن إلغاء خططها لتصنيع سيارة F-150 كهربائية، على الرغم من استثماراتها الضخمة في تكنولوجيا السيارات الكهربائية. ويأتي هذا القرار بعد أن خفضت إدارة ترامب أهدافها لجعل نصف مبيعات السيارات الجديدة كهربائية بحلول عام 2030، كما أنها ألغت بعض الحوافز الضريبية للسيارات الكهربائية واقترحت تخفيف معايير الانبعاثات.
ردود فعل متباينة وتصعيد التحقيقات
أثارت زيارة ترامب إلى ميشيغان ردود فعل متباينة. فقد استغل الديمقراطيون هذه الزيارة للتذكير بتصريحات سابقة للرئيس، حيث قال إن بقاء الديمقراطيين في السلطة سيؤدي إلى تحول الولايات المتحدة إلى “ديترويت”، في إشارة سلبية إلى الوضع الاقتصادي للمدينة.
وفي سياق منفصل، تأتي محاولة ترامب لتحويل الاهتمام إلى جهوده الاقتصادية في الوقت الذي أطلقت فيه وزارة العدل تحقيقًا جنائيًا ضد جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي. ويعتبر باول هذا التحقيق محاولة لتقويض استقلال البنك المركزي.
ومع ذلك، قبل مغادرته واشنطن، تلقى ترامب بعض الأخبار الاقتصادية الإيجابية. فقد أظهرت بيانات جديدة لشهر ديسمبر انخفاضًا طفيفًا في معدل التضخم، مع انخفاض أسعار الغاز والسيارات المستعملة. وأشار ترامب إلى أن هذه البيانات تعكس “عودة سريعة من الركود التضخمي”.
الخلاصة: تحديات اقتصادية ومستقبل غير واضح
تأتي زيارة ترامب إلى ميشيغان في وقت حرج، حيث يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات متعددة، بما في ذلك ارتفاع التضخم ومخاوف بشأن سوق العمل. في حين يصر ترامب على أن التعريفات الجمركية هي الحل لهذه المشاكل، فإن العديد من الاقتصاديين يرون أن هذه السياسة قد تزيد الأمور سوءًا.
مع استمرار التحقيقات الجنائية وتصاعد التوترات السياسية، يظل مستقبل الاقتصاد الأمريكي غير واضحًا. من المؤكد أن المناقشات حول السياسات الاقتصادية ستستمر في السيطرة على المشهد السياسي في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
هل ستنجح جهود ترامب في استعادة ثقة الناخبين؟ وهل ستكون سياساته الاقتصادية قادرة على تحقيق النمو والازدهار الذي وعد به؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد مسار الاقتصاد الأمريكي في المستقبل القريب.

