الكيمونو الياباني: تحفة تراثية تتجدد بشعار الاستدامة

لطالما ارتبط الكيمونو، هذا الثوب الأيقوني الذي نسج تاريخ اليابان بألوانه وزخارفه، بالجمال والفخامة، وحاملاً قصص الغيشا والساموراي عبر قرون. اليوم، يعيش الكيمونو فترة تجدد مثيرة، ليس فقط بفضل جماله الخالد، بل لفضيلة اكتسبت أهمية قصوى في عصرنا الحالي: الاستدامة. يعتبر الكيمونو الحريري الأصلي، الذي يعني اسمه حرفياً “الشيء البالي”، مثالاً رائعاً على المتانة، حيث يمكن أن يدوم لمائة عام أو أكثر، ويُتناقل عبر الأجيال ككنز عائلي ثمين.

الكيمونو: إرث خالد يعيد اكتشاف هويته

لم يتغير تصميم الكيمونو ووشاح “أوبي” المصاحب له بشكل جوهري منذ فترة إيدو في القرن السابع عشر، وهي الحقبة التي جسدتها أفلام كوروساوا الشهيرة. ورغم أن معظم اليابانيين اليوم يرتدون الكيمونو فقط في المناسبات الخاصة كالأعراس، إلا أن هذا الثوب التقليدي لم يخرج عن طوره قط.

إبداع جديد: تحويل الكيمونو إلى أيقونات الموضة العصرية

في الآونة الأخيرة، اتجه بعض المبدعين إلى مقاربة مبتكرة، حيث يقومون بإعادة تشكيل الكيمونو التقليدي، وتفكيكه، وخياطته ليتحول إلى قطع عصرية كالسترات، والفساتين، والسراويل. تقول ماري كوبو، رئيسة شركة K’Forward لإعادة تصنيع الكيمونو، إن هذه المبادرات تأتي استجابة لوجود كميات كبيرة من الكيمونو الرائع المهمل في خزائن الناس، وهو ما يعتبر هدراً عظيماً.

خدمات كوبو هي جزء من طفرة حديثة في هذه الصناعة، التي تحول أيضاً الكيمونو القديم إلى حقائب أنيقة ودمى فنية. وتعتبر قطع “التومسود”، وهو نوع من الكيمونو الرسمي باللون الأسود والمزين بزخارف ملونة، من بين الأكثر طلباً. تقوم كوبو بإنشاء مجموعات متطابقة، حيث تحول “التومسود” إلى سترة بأكمام انسيابية، وتستخدم كيمونو بنمط مطابق لصناعة تنورة أو بنطال ينسجم مع السترة.

الاستدامة في نسيج الثقافة اليابانية

تؤكد توموكو أوكاتا، إحدى المصممات اللاتي يعتمدن على الكيمونو القديم، أن أبرز ما يميز أعمالها هو شعورها بأنها تساهم في حل مشكلة بيئية، بدلاً من العيش مع شعور بالذنب. وتشير إلى أن الأجداد قد تركوا لنا إجابات لمشاكل بيئتنا.

في اليابان، تصل آلاف الكيمونو القديم يومياً إلى مراكز إعادة التدوير، حيث يجدها الناس مخبأة في خزائن الأجداد. يرتبط هذا الاتجاه الجديد بحرص الشباب على الاستمتاع بجمال الكيمونو دون الحاجة إلى ارتداءه بالطرق التقليدية المعقدة.

فن ارتداء الكيمونو: مهارة تتجدد

أما بالنسبة للكيمونو الأصلي، فهو يشهد أيضاً إعادة اكتشاف. تقدم ناو شيميزو، التي ترأس مدرسة في كيوتو لتعليم فن ارتداء الكيمونو، دروساً للمتعلمين. تشرح شيميزو أن الكيمونو، على عكس الفستان، يمكن ترتيبه وتنظيمه بطرق متعددة، وأن ارتداءه بحد ذاته فن يتطلب بعض المهارة.

على الرغم من أن ارتداء الكيمونو بالطريقة التقليدية قد يتطلب تدريباً، إلا أن الدروس والورش متاحة، كما هو الحال لتعلم آلة موسيقية. بالإضافة إلى ذلك، تتوفر المساعدة المهنية في صالونات التجميل والفنادق وبعض المحلات التجارية.

الكيمونو المستدام: قصة حياة جديدة

تصف سومي كانيكو، المغنية التي تعزف على الآلات اليابانية التقليدية، هذه العملية بـ “إعادة تدوير الحياة”. ترى أن فكرة الاستدامة متجذرة بعمق في الثقافة اليابانية، وأن الأداء الحي الذي يعتمد على الكيمونو المعاد تدويره يمنح هذه القطع التاريخية حياة جديدة، ويعيد إليها الألوان والأنماط التي كانت محبوبة ذات يوم.

في الختام، يمثل الكيمونو اليوم جسراً بين الماضي العريق والمستقبل المستدام، حيث تتجسد قيم الحفاظ على التراث والبيئة في كل قطعة معاد تدويرها أو معاد اكتشافها. إنه دعوة لإعادة النظر في قيمة الأشياء، وتقدير الجمال الخالد الذي يمكن أن يستمر عبر الأجيال.

شاركها.
Exit mobile version