في خطوة تاريخية تعكس تحولاً في السياسة الخارجية الكندية، وافقت كندا على تخفيض كامل للرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، وذلك في مقابل تخفيضات مماثلة على الصادرات الزراعية الكندية، وخاصة بذور الكانولا. يأتي هذا الاتفاق بعد محادثات مكثفة بين رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، في زيارة تعتبر الأولى لرئيس وزراء كندي للصين منذ ثماني سنوات. هذا التطور يمثل تحولاً كبيراً في العلاقات الثنائية، خاصة في ظل التوترات التجارية العالمية المتزايدة.
تحسين العلاقات الكندية الصينية: بداية حقبة جديدة
أكد رئيس الوزراء كارني أن هذه المحادثات كانت “مثمرة وتاريخية”، مشيراً إلى ضرورة فهم الاختلافات بين كندا والدول الأخرى والتركيز على التعاون في المجالات التي تتفق فيها المصالح. وأضاف أن الهدف هو بناء نظام حوكمة عالمية أكثر استقراراً في ظل الضغوطات التي تواجهها حالياً. من جانبه، وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ الاجتماع بأنه “فتح فصلاً جديداً في تحسين العلاقات” بين البلدين، معرباً عن رغبته في مواصلة العمل المشترك لاستعادة وتعزيز التعاون.
تفاصيل الاتفاق التجاري الجديد
يتضمن الاتفاق الجديد تخفيضاً بنسبة 100% على الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، مع وضع حد أولي لصادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى كندا يبلغ 49 ألف سيارة. في المقابل، ستخفض الصين الرسوم الجمركية على بذور الكانولا الكندية، وهي من أهم الصادرات الزراعية الكندية، من حوالي 84% إلى حوالي 15%. هذا التخفيض الكبير في الرسوم الجمركية سيفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الكندية في الصين، ويعزز من الصادرات الزراعية التي تعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الكندي.
دوافع كندا للتقارب مع الصين
تأتي هذه الخطوة في سياق سعي كندا لتنويع شراكاتها التجارية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، خاصة في ظل السياسات التجارية الحمائية التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد أثرت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على الاقتصادين الكندي والصيني بشكل كبير، مما دفع كندا إلى البحث عن بدائل لتعزيز اقتصادها. كما أن زيارة كارني للصين، والتي وصفها أحد رجال الأعمال الكنديين بأنها “غيرت قواعد اللعبة”، تهدف إلى إعادة تأسيس الحوار والاحترام وإطار العمل بين البلدين بعد سنوات من التوتر.
تأثير الاتفاق على التجارة العالمية والاقتصاد الكندي
يعتبر هذا الاتفاق بمثابة إشارة قوية إلى أن كندا تسعى إلى اتباع سياسة خارجية مستقلة، تتكيف مع “الحقائق العالمية الجديدة” كما وصفها كارني. من المتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى زيادة كبيرة في حجم التبادل التجاري بين البلدين، وتعزيز الاستثمارات المتبادلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية سيساهم في خفض أسعار هذه السيارات في السوق الكندية، مما سيعود بالفائدة على المستهلكين الكنديين.
ردود الفعل على الاتفاق
حظي الاتفاق بترحيب واسع من قبل الأوساط التجارية الكندية، حيث اعتبره الكثيرون خطوة إيجابية نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين. كما أعرب العديد من رجال الأعمال الكنديين عن تفاؤلهم بشأن مستقبل التعاون بين البلدين، مشيرين إلى أن الاتفاق سيوفر فرصاً جديدة للنمو والتوسع في السوق الصينية. ومع ذلك، لا يزال البعض يحذر من التحديات التي قد تواجه تنفيذ الاتفاق، مثل المخاوف بشأن المنافسة غير العادلة والتدخل الحكومي في الاقتصاد الصيني.
مستقبل العلاقات الكندية الصينية
يمثل الاتفاق التجاري الجديد نقطة تحول في العلاقات الكندية الصينية، ويفتح الباب أمام حقبة جديدة من التعاون والازدهار المشترك. من المتوقع أن يزور كارني قطر يوم الأحد قبل حضور الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا الأسبوع المقبل، حيث سيلتقي بكبار رجال الأعمال والمستثمرين لتعزيز التجارة والاستثمار. وبشكل عام، فإن هذه الخطوة تعكس رغبة كندا في لعب دور أكثر فاعلية في النظام العالمي، وتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. التركيز على السيارات الكهربائية الصينية كجزء من هذا الاتفاق يظهر التزام كندا بالابتكار والاستدامة.
في الختام، يمثل الاتفاق التجاري بين كندا والصين خطوة جريئة ومهمة نحو بناء علاقات اقتصادية وسياسية أكثر استقراراً وتوازناً. من خلال تخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز التعاون في مجالات الزراعة والطاقة والتمويل، تسعى كندا إلى تحقيق مصالحها الوطنية والمساهمة في بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وازدهاراً. هذا التطور يستحق المتابعة والتحليل، حيث أنه قد يكون له تأثير كبير على مستقبل التجارة العالمية والعلاقات الدولية.

