الاقتصاديون الأمريكيون تحت المجهر: جدل حول تأثير الرسوم الجمركية على المستهلكين

واشنطن – في خطوة غير مسبوقة، أثار كبير الاقتصاديين في إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كيفن هاسيت، جدلاً واسعاً بمساءلته عن “تأديب” اقتصاديي بنك الاحتياطي الفيدرالي بسبب أبحاثهم. جاء هذا التصريح عقب نشر دراسة حديثة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، كشفت أن المستهلكين والشركات الأمريكية بدلاً من الدول الأجنبية، هم من يتحملون الغالبية العظمى من الأعباء المالية للرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب.

الغضب من نتائج بنك الاحتياطي الفيدرالي

وصف هاسيت، الذي شغل منصب مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، الدراسة بأنها “محرجة” و”أسوأ ورقة بحثية” شاهدها في تاريخ بنك الاحتياطي الفيدرالي، داعياً إلى مساءلة المسؤولين عنها. تعكس هذه التصريحات استمرار الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي لطالما سعى للحفاظ على استقلاليته عن التأثيرات السياسية اليومية.

كما تشير هذه الانتقادات إلى حساسية البيت الأبيض تجاه المخاوف المتزايدة بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، بما في ذلك أسعار السلع الأساسية، والإسكان، والمواد الاستهلاكية باهظة الثمن مثل الأثاث والسيارات. وتؤكد استطلاعات الرأي العامة أن المواطنين الأمريكيين لا يزالون يشعرون بالاستياء من الوضع الاقتصادي العام.

دراسات متعددة تؤكد النتائج

لم تكن دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك الوحيدة التي توصلت إلى هذه الاستنتاجات. فقد أشارت عدة دراسات أخرى، أجراها اقتصاديون من جامعات مرموقة مثل هارفارد وشيكاغو، إضافة إلى تقرير صادر عن معهد كيل الألماني، وتقرير من مكتب الميزانية غير الحزبي في الكونجرس، إلى نتائج مماثلة.

تفاصيل الدراسة وتأثيرها على المستهلك

كشفت الدراسة التي نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن نحو 90% من الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات يتحملها المستهلكون والشركات الأمريكية. ووفقاً للنتائج، ارتفع متوسط الرسوم الجمركية على الواردات من 2.6% في بداية العام الماضي إلى 13% بنهايته.

تكمن آلية تحمل الشركات الأجنبية لعبء الرسوم الجمركية، كما كانت تأمل إدارة ترامب، في قيامها بخفض أسعار سلعها لتغطية تكلفة الرسوم عند بيعها للمستوردين الأمريكيين. ومع ذلك، وجد بحث بنك الاحتياطي الفيدرالي أن المصدرين الأجانب لم يخفضوا أسعارهم إلا بشكل طفيف، وهو ما لا يتماشى مع الزيادة الكبيرة في الرسوم الجمركية. وبالتالي، يقع العبء المالي في نهاية المطاف على عاتق المستوردين الأمريكيين.

تاريخ من الانتقادات للدراسات حول الرسوم الجمركية

هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها دراسات تكشف عن تحمل الأمريكيين لتكاليف الرسوم الجمركية لانتقادات من البيت الأبيض. ففي أغسطس الماضي، توقع كبير الاقتصاديين في بنك جولدمان ساكس أن يتحمل الأمريكيون حصة متزايدة من الرسوم بمرور الوقت. ورد الرئيس ترامب آنذاك بدعوة الرئيس التنفيذي لبنك جولدمان ساكس إلى إقالة هذا الخبير الاقتصادي.

على الرغم من أن التضخم الإجمالي لم يرتفع بالقدر الذي توقعه العديد من الاقتصاديين بسبب الرسوم الجمركية – وهو ما يعزى جزئياً إلى تأخير ترامب لفرض بعض الرسوم أو تخفيضها أو إلغائها – إلا أن تكلفة العديد من السلع، بما في ذلك الأثاث والأجهزة والأدوات، شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بعد فرض الرسوم.

الأثر الملموس على الشركات الأمريكية

أكدت شركات كبرى مثل جنرال موتورز وفورد على التأثير السلبي لهذه الرسوم، حيث أفادت كل منهما بدفع مليارات الدولارات كتكاليف إضافية. وقدرت جنرال موتورز في الخريف الماضي أنها ستدفع ما بين 3.5 إلى 4.5 مليار دولار كرسوم جمركية في عام 2025، بينما أعلنت فورد عن دفعها 800 مليون دولار في الربع الثاني فقط. بشكل عام، تلقت الحكومة الأمريكية ما يقرب من 100 مليار دولار كإيرادات من الرسوم الجمركية منذ أكتوبر، وهو مبلغ يتجاوز إجمالي إيرادات الرسوم الجمركية في الميزانية الكاملة لعام 2024.

خاتمة

يثير الجدل الدائر حول تأثير الرسوم الجمركية على المستهلكين والشركات الأمريكية تساؤلات مهمة حول فعالية هذه السياسات الاقتصادية. وبينما تسعى الإدارة إلى فرض سياساتها، تؤكد الدراسات المستقلة على ضرورة فهم الآثار المالية الحقيقية لهذه الإجراءات على المواطنين. إن الشفافية في التحليل الاقتصادي والاعتماد على البيانات المدعومة بالأدلة أمر حيوي لاتخاذ قرارات اقتصادية سليمة تخدم المصلحة العامة.


شاركها.
Exit mobile version