كوالالمبور، ماليزيا (أ ف ب) – اعتقال رجل الأعمال القوي المتورط في شبكة احتيال واسعة النطاق في كمبوديا يمثل تطوراً نادراً في مكافحة هذه الصناعة الإجرامية التي سرقت عشرات المليارات من الدولارات حول العالم. هذه الجريمة، التي تستغل الضحايا من خلال الاحتيال عبر الإنترنت، تثير قلقاً دولياً متزايداً. السلطات الأمريكية والبريطانية تؤكد أن تشين تشي كان يقود عملية احتيال عابرة للحدود، تعتمد على العمالة المُتاجر بها وتستهدف ضحايا أبرياء في جميع أنحاء العالم.
كيف تبدأ عمليات الاحتيال عبر الإنترنت؟
غالباً ما تبدأ هذه الخدع بطرق تبدو بريئة. رسالة نصية تعرض وظيفة بدوام جزئي، استفسار عن إمكانية قضاء عطلة نهاية الأسبوع، أو حتى مجرد كلمة “مرحباً”. في الطرف الآخر، يوجد عامل، غالباً ما يكون على بعد آلاف الأميال، مُجبراً على العمل لساعات طويلة – من 12 إلى 16 ساعة يومياً – لإرسال رسائل متتالية حتى يقع شخص ما ضحية. هذه العمليات ليست مجرد خسائر مالية، بل هي أيضاً خسائر بشرية فادحة. يُعتقد أن مئات الآلاف من الأشخاص محتجزون قسراً في هذه المجمعات، المنتشرة في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، ويُجبرون على تنفيذ عمليات احتيال تهدف إلى سرقة أموال الآخرين.
صعوبة تفكيك شبكات الاحتيال عبر الإنترنت
على الرغم من هذا الاعتقال البارز، يظل تفكيك هذه الصناعة تحدياً كبيراً. فالشبكات الإجرامية تتميز بقدرتها على التكيف والتحول بسرعة.
القمع في ميانمار وتحديات الحدود
في أكتوبر الماضي، تدخل الجيش الميانماري إلى منطقة “حديقة KK”، وهي من أبرز معاقل الاحتيال الرقمي، وأعلن عن إيقاف العمليات. لكن، سرعان ما استأنفت هذه العمليات في مراكز أخرى داخل ميانمار، حيث لا يزال العديد من الضحايا ينتظرون المساعدة. أدى هذا الغزو إلى هروب جماعي للعمال، حيث عبر حوالي 1500 شخص إلى تايلاند، بمن فيهم مئات الهنود، بالإضافة إلى مواطنين من الصين والفلبين وفيتنام وإثيوبيا وكينيا. قامت القوات التايلاندية لاحقاً بهدم بعض المباني داخل المجمع، لكن هذا لم يكن سوى حل مؤقت لمشكلة أعمق. فالحدود المفتوحة والفساد المتفشي يجعل من الصعب للغاية القضاء على هذه المراكز بشكل كامل.
الجذور في الكازينوهات والقمار غير القانوني
تعود جذور هذه المجمعات إلى الكازينوهات – سواء الفعلية أو عبر الإنترنت – التي انتشرت في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا خلال العقد الماضي. في عام 2021 وحده، أحصى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أكثر من 340 كازينو مرخصاً وغير مرخص في المنطقة. هذه الكازينوهات، التي غالباً ما تُقدم مع جولات سياحية، تستهدف اللاعبين الكبار من الصين، حيث المقامرة غير قانونية، وغالباً ما تكون تحت إدارة مجموعات إجرامية صينية. مع تفشي جائحة كوفيد-19 والقيود المفروضة على السفر، وجدت هذه الكازينوهات نفسها في مأزق. فبدلاً من الإغلاق، قررت بعضها تغيير مسارها والتحول إلى عمليات النصب والاحتيال عبر الإنترنت، مستغلة نفس البنية التحتية والعمالة لاستهداف ضحايا جدد في جميع أنحاء العالم.
الاعتماد على العمالة المُتاجر بها والراغبة في العمل
تشير التقديرات إلى أن حوالي 120 ألف شخص في ميانمار و 100 ألف آخرين في كمبوديا مُجبرون على العمل في عمليات الاحتيال عبر الإنترنت، وفقاً لتقرير صدر عام 2023 عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. هذه الأرقام هي مجرد تقديرات، لكنها تسلط الضوء على حجم المشكلة. تعتمد مراكز الاحتيال على مزيج من الضحايا الذين يتم الاتجار بهم والعمال الذين يأتون طواعية، مدفوعين بوعود كاذبة بأجور عالية نسبياً ووظائف مكتبية سهلة. في البداية، كان معظم العمال من الصين والدول الناطقة بالصينية، ولكن اليوم، يتم استقدامهم من 56 دولة على الأقل، بما في ذلك إندونيسيا وليبيريا. الواقع غالباً ما يكون أكثر قسوة مما يتم الإعلان عنه، حيث يتم مصادرة جوازات سفر العمال لمنعهم من المغادرة، ويخضعون لخطر التعرض للضرب أو غيره من العقوبات البدنية إذا لم يتمكنوا من تحقيق الأهداف المحددة.
انتشار عالمي للاحتيال عبر الإنترنت
يمتد تأثير هذه العمليات إلى جميع أنحاء العالم، حيث يستهدف المحتالون ضحايا في مختلف البلدان ويعتمدون بشكل متزايد على أدوات الترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتغلب على الحواجز اللغوية. في الفلبين، داهمت السلطات مجمعاً في مارس 2024 حيث كان العمال يستهدفون المواطنين الصينيين بمخطط استثماري مزيف، متظاهرين بأنهم موظفون كبار في شركة البترول الوطنية الصينية. وفي كوريا الجنوبية، عاد حوالي 50 مواطناً من كمبوديا بعد احتجازهم لعدة أشهر بتهمة العمل في عمليات احتيال عبر الإنترنت. كما أن المدعين العامين الأمريكيين يستهدفون الشبكات التي تقف وراء هذه المخططات، حيث اتهموا تشين تشي بخداع ما لا يقل عن 250 أمريكياً بملايين الدولارات، بما في ذلك ضحية واحدة خسرت 400 ألف دولار في العملات المشفرة. تشير التقديرات إلى أن الأمريكيين خسروا ما لا يقل عن 10 مليارات دولار بسبب عمليات الاحتيال المرتبطة بجنوب شرق آسيا في عام 2024 وحده.
أنواع عمليات الاحتيال عبر الإنترنت
تتخذ عمليات الاحتيال أشكالاً عديدة، بدءاً من مخططات الاستثمار في العملات المشفرة إلى ما يسمى “عمليات الاحتيال على المهام”، حيث يُطلب من الضحايا دفع مبالغ مقابل فتح المهمة التالية. في بعض الحالات، يتم دفع مبالغ صغيرة من الأموال الحقيقية في البداية لبناء الثقة قبل تصاعد الخسائر. غالباً ما يستخدم المحتالون تكتيكات الضغط، محذرين الضحايا من أنهم سيفوتون فرصة ما لم يستثمروا في موعد نهائي محدد.
في الختام، يمثل اعتقال تشين تشي خطوة مهمة في مكافحة الاحتيال عبر الإنترنت، لكنه ليس سوى بداية الطريق. يتطلب تفكيك هذه الصناعة الإجرامية جهوداً دولية منسقة، وتعاوناً وثيقاً بين الحكومات ووكالات إنفاذ القانون، وحماية فعالة للضحايا. يجب التركيز على اعتقال قادة هذه الشبكات الإجرامية، وتجفيف مصادر تمويلهم، وتوفير الدعم اللازم للناجين. إن مكافحة هذه الآفة تتطلب أيضاً زيادة الوعي العام حول مخاطر الاحتيال الرقمي وتعزيز الأمن السيبراني. شارك هذا المقال مع أصدقائك وعائلتك للمساعدة في نشر الوعي وحماية الآخرين من الوقوع ضحية لهذه الجرائم.

