لبنان يتجه نحو استكشاف الغاز في مياهه الإقليمية: اتفاق جديد يثير الآمال
يشهد قطاع الطاقة في لبنان تطورات متسارعة، حيث وقعت الحكومة اتفاقاً مع كونسورتيوم دولي بقيادة شركة توتال إنيرجي الفرنسية، وشركة إيني الإيطالية، وشركة قطر للطاقة، بهدف التنقيب عن الغاز في البلوك 8 الواقع قبالة السواحل الجنوبية اللبنانية. يأتي هذا الاتفاق بعد ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في عام 2022، ويشكل خطوة هامة في مساعي لبنان للاستفادة من موارده الطبيعية في ظل أزمة اقتصادية حادة. هذا التطور يضع استكشاف الغاز في لبنان في دائرة الضوء، ويفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الأمن الطاقي وتحقيق النمو الاقتصادي.
اتفاقية البلوك 8: تفاصيل ومراحل العمل
تم توقيع الاتفاق في مقر الحكومة ببيروت بحضور وزير الطاقة اللبناني جو صدى وممثلي الكونسورتيوم الدولي. وتنص الاتفاقية على أن يبدأ الكونسورتيوم بمسح زلزالي ثلاثي الأبعاد في منطقة البلوك 8، بمساحة تقدر بـ 1200 كيلومتر مربع، وذلك لتقييم إمكانات الاستكشاف وتحديد المواقع الواعدة.
أهمية المسح الزلزالي
يعتبر المسح الزلزالي المرحلة الأولى والأكثر أهمية في عملية التنقيب عن الغاز. فهو يوفر معلومات تفصيلية عن التركيب الجيولوجي للقاع البحري، ويساعد على تحديد وجود التراكيب الصخرية التي قد تحتوي على مكامن الغاز. تعتمد دقة المسح على التكنولوجيا المستخدمة وخبرة الشركات المنفذة، وهو ما يضمنه وجود شركات عالمية رائدة في هذا المجال مثل توتال إنيرجي وإيني.
تاريخ التنقيب عن النفط والغاز في لبنان
لم يكن هذا الاتفاق الأول من نوعه في لبنان، حيث سبق وأن وافقت الحكومة في عام 2017 على منح تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز لشركات توتال إنيرجي وإيني ونوفاتيك الروسية. ولكن، لم تسفر هذه المحاولات عن اكتشافات تجارية هامة.
التحديات السابقة
واجهت عمليات التنقيب السابقة عدة تحديات، أبرزها النزاع الحدودي البحري مع إسرائيل، والذي أدى إلى تأجيل الحفر في بعض المناطق المتنازع عليها. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم العثور على كميات كافية من النفط والغاز في البلوك رقم 1 شمال بيروت، مما أثار الشكوك حول إمكانات لبنان في هذا المجال.
دور ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل
شكل اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في عام 2022 نقطة تحول هامة في ملف التنقيب عن النفط والغاز في لبنان. فقد أزال هذا الاتفاق الغموض حول المناطق المتنازع عليها، وسمح للحكومة اللبنانية بالبدء في استكشاف البلوك 8 بشكل جدي.
الآثار الإيجابية للاتفاق
بالإضافة إلى تسهيل عمليات التنقيب، ساهم اتفاق الحدود البحرية في تحسين العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وفتح الباب أمام التعاون في مجال الطاقة. كما عزز الثقة لدى الشركات الدولية، وشجعها على الاستثمار في قطاع النفط والغاز اللبناني.
آمال معلقة على اكتشافات الغاز
يأمل لبنان أن تساعد اكتشافات الغاز المستقبلية في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها. فقد تساهم هذه الاكتشافات في زيادة الإيرادات الحكومية، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين الميزان التجاري.
استكشاف الغاز في لبنان كحل للأزمة الاقتصادية
يعتبر استكشاف الغاز في لبنان فرصة تاريخية لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق التنمية المستدامة. ولكن، لتحقيق هذه الأهداف، يجب على الحكومة اللبنانية العمل على تطوير البنية التحتية اللازمة، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارة هذا القطاع. كما أن الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أمن الطاقة وتنويع مصادر الدخل.
التطورات الأخيرة وتعديل الكونسورتيوم
في يناير 2023، تم تعديل الكونسورتيوم الدولي، حيث حلت شركة قطر للطاقة محل شركة نوفاتيك الروسية. وبموجب هذا التعديل، حصلت قطر للطاقة على حصة نوفاتيك البالغة 20% بالإضافة إلى 5% من حصص كل من إيني وتوتال إنيرجي، مما يرفع حصتها الإجمالية إلى 30%. بينما ستحتفظ كل من توتال إنيرجي وإيني بحصة 35% من الأسهم. يعكس هذا التغيير رغبة لبنان في تنويع شركائه الدوليين، وجذب الاستثمارات من دول الخليج العربي.
التحديات الأمنية وتأثيرها على التنقيب
على الرغم من التفاؤل الحذر، لا تزال التحديات الأمنية تشكل تهديداً لعمليات التنقيب عن الغاز في لبنان. فقد بدأت فصائل المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها حزب الله، بإطلاق الصواريخ على المواقع الإسرائيلية على طول الحدود في أكتوبر 2023، وذلك دعماً لحركة حماس. هذا التصعيد الأمني أدى إلى تعليق بعض عمليات التنقيب، وزيادة المخاوف بشأن سلامة العاملين في هذا القطاع.
الخلاصة
يمثل اتفاق التنقيب عن الغاز في البلوك 8 خطوة هامة في مسيرة لبنان نحو الاستفادة من موارده الطبيعية. ولكن، لتحقيق النجاح المنشود، يجب على الحكومة اللبنانية التغلب على التحديات الاقتصادية والأمنية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارة هذا القطاع. إن استكشاف الغاز في لبنان ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو فرصة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن الطاقي، وتحسين مستوى معيشة اللبنانيين. نأمل أن تسفر هذه الجهود عن اكتشافات واعدة، وأن تساهم في إخراج لبنان من أزمته الحالية.

