انهيار لبنان الاقتصادي: إحالة قضية رياض سلامة إلى محكمة التمييز

يشهد لبنان تطورات جديدة في ملف الفساد الذي يلاحق حاكم مصرف لبنان المركزي السابق، رياض سلامة، والذي يعتبره الكثيرون المسؤول الرئيسي عن الانهيار الاقتصادي الذي تعصف بالبلاد. فقد تم إحالة قضيته إلى أعلى محكمة في البلاد، محكمة التمييز، بحسب ما أفادت به مصادر قضائية لوكالة فرانس برس يوم الثلاثاء. هذه الخطوة تأتي بعد إطلاق سراحه بكفالة قدرها 14 مليون دولار في سبتمبر/أيلول الماضي، عقب عام من التوقيف الاحتياطي على خلفية اتهامات بالفساد، بما في ذلك الاختلاس والإثراء غير المشروع.

تفاصيل الإحالة والمحاكمة المنتظرة

وفقًا لنسخة من الإشعار الذي حصلت عليه وكالة فرانس برس، سيتم الآن محاكمة رياض سلامة وشريكيه القانونيين، مروان خوري وميشيل تويني، أمام محكمة التمييز. ويُذكر أن هذه المحكمة هي أعلى سلطة قضائية في لبنان، ولا يمكن استئناف أحكامها النهائية.

المسؤولون القضائيون أكدوا أنه سيتم إصدار أوامر اعتقال جديدة بحق سلامة ورفاقه في حال عدم حضورهم جلسات المحاكمة. حتى الآن، لم يتم تحديد موعد نهائي لبدء المحاكمة، لكن الإجراءات القانونية تسير نحو هذا الاتجاه. رياض سلامة، من جانبه، يواصل نفي جميع الاتهامات الموجهة إليه.

الاتهامات الموجهة لسلامة: اختلاس وإثراء غير مشروع

تتعلق الاتهامات الموجهة إلى رياض سلامة باختلاس ما يقرب من 42 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى اتهامات بالإثراء غير المشروع من خلال شقة مستأجرة في فرنسا. تشير التحقيقات إلى أن هذه الشقة كانت بمثابة مكتب بديل لمصرف لبنان المركزي، وأن سلامة دفع حوالي 500 ألف دولار سنويًا كإيجار لصاحبة الشقة، وهي شريكة سابقة له.

هذه الاتهامات أثارت غضبًا واسعًا في لبنان، حيث يرى الكثيرون أنها دليل قاطع على الفساد المستشري الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية. التحقيقات الجارية تكشف عن شبكة معقدة من المعاملات المالية المشبوهة التي يُزعم أنها مرتبطة بسلامة ورفاقه.

من بطل اقتصادي إلى متهم بالفساد: مسيرة رياض سلامة

لم يكن رياض سلامة دائمًا شخصية مثيرة للجدل. فقد حظي في الماضي بتقدير كبير لدوره في قيادة التعافي الاقتصادي في لبنان بعد الحرب الأهلية الطويلة التي استمرت 15 عامًا. عندما تولى منصبه في عام 1993، نجح في الحفاظ على استقرار الاقتصاد اللبناني الهش على الرغم من التحديات السياسية والاجتماعية الكبيرة.

ومع ذلك، تغيرت الأمور بشكل جذري في عام 2019، عندما بدأت الأزمة الاقتصادية تتفاقم في لبنان. فقد المودعون مدخراتهم، وانهارت قيمة الليرة اللبنانية، وتصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد وسوء الإدارة. في هذا السياق، بدأت الاتهامات تتجه نحو رياض سلامة، حيث اعتبره الكثيرون مسؤولاً عن السياسات النقدية الخاطئة التي أدت إلى هذه الكارثة.

تحقيقات دولية وعقوبات على سلامة

لم يقتصر التحقيق في قضايا الفساد المنسوبة إلى رياض سلامة على لبنان فقط، بل امتد ليشمل العديد من الدول الأوروبية. فتحت السلطات القضائية في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ تحقيقات في مزاعم غسل الأموال والتهرب الضريبي التي تتعلق بسلامة ورفاقه. وقامت هذه الدول بتجميد الحسابات المصرفية والأصول المرتبطة بهم، على الرغم من عدم تعاون السلطات اللبنانية بشكل كبير في هذه التحقيقات.

في أغسطس 2023، فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا عقوبات على رياض سلامة، بتهمة الفساد وتقويض استقرار النظام المالي اللبناني. تعتبر هذه العقوبات خطوة مهمة في الضغط على سلامة ورفاقه لتقديم حساباتهم عن الأفعال التي يُزعم أنها ارتكبوها.

تحرك البنك المركزي الحالي وتصعيد الملاحقة القضائية

كشف حاكم مصرف لبنان المركزي الحالي، كريم سعيد، الأسبوع الماضي عن نيته تقديم شكاوى قانونية ضد رياض سلامة ومسؤول مصرفي سابق، بتهمة تحويل أموال من البنك المركزي إلى أربع شركات وهمية في جزر كايمان. وأكد سعيد أن البنك المركزي اللبناني سيصبح مدعياً في التحقيق الذي تجريه البلاد مع شركة فوري أسوشيتس، والتي وصفتها وزارة الخزانة الأمريكية بأنها “شركة صورية” تستخدم لتحويل حوالي 330 مليون دولار في معاملات مرتبطة بالبنك المركزي.

هذا التحرك من قبل البنك المركزي الحالي يمثل تصعيدًا كبيرًا في الملاحقة القضائية لسلامة ورفاقه، ويشير إلى عزم السلطات اللبنانية على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار الاقتصادي. كما يعكس رغبة البنك المركزي في استعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني، الذي تضرر بشدة بسبب الأزمة.

مستقبل التحقيقات وتأثيرها على لبنان

لا تزال التحقيقات في قضايا الفساد المنسوبة إلى رياض سلامة جارية، ومن المتوقع أن تستمر لفترة طويلة. من الصعب التكهن بالنتائج النهائية لهذه التحقيقات، ولكن من المؤكد أنها سيكون لها تأثير كبير على مستقبل لبنان.

إذا ثبتت إدانة سلامة ورفاقه، فقد يؤدي ذلك إلى استعادة بعض الأموال المنهوبة، وإلى إصلاح النظام المالي اللبناني، وإلى تعزيز الثقة في المؤسسات الحكومية. ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلاً وشاقًا، ويتطلب جهودًا كبيرة من جميع الأطراف المعنية. الشفافية والمساءلة هما مفتاح استعادة الاستقرار والازدهار إلى لبنان.

الكلمات المفتاحية: رياض سلامة، مصرف لبنان المركزي، الانهيار الاقتصادي في لبنان، الفساد في لبنان، محكمة التمييز.
الكلمات الثانوية: كريم سعيد، شركة فوري أسوشيتس، جزر كايمان، العقوبات الدولية.

شاركها.
Exit mobile version