في تطور سياسي لافت، شهدت الانتخابات الرئاسية البرتغالية، التي جرت يوم الأحد، صعودًا ملحوظًا لليمين المتطرف، حيث حل أندريه فينتورا، زعيم حزب “تشيجا” (كفى) الشعبوي، في المركز الثاني، متفوقًا على التوقعات. هذه النتيجة تضع البرتغال على أعتاب مرحلة جديدة، وتثير تساؤلات حول مستقبل المشهد السياسي في البلاد، وتؤكد اتجاهًا أوسع نحو تنامي شعبية اليمين المتطرف في أوروبا. وتُعد هذه الانتخابات بمثابة اختبار حقيقي للديمقراطية البرتغالية، خاصةً في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
نتائج الانتخابات الرئاسية البرتغالية: صعود اليمين المتطرف ومفاجأة فينتورا
أظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات الرئاسية البرتغالية تقدمًا واضحًا للمرشح الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيجورو، الذي حصل على حوالي 31% من الأصوات. لكن المفاجأة الحقيقية كانت في أداء أندريه فينتورا، زعيم حزب “تشيجا”، الذي تمكن من حصد 24% من الأصوات، ليحتل المركز الثاني ويضمن لنفسه مقعدًا في جولة الإعادة التي ستجرى في الثامن من فبراير.
هذا الصعود المفاجئ لـ أندريه فينتورا يمثل علامة فارقة في السياسة البرتغالية، حيث لم يحقق حزب “تشيجا” مثل هذا الدعم الشعبي منذ تأسيسه قبل أقل من سبع سنوات. وقد عزز هذا النجاح من مكانة الحزب كأكبر قوة معارضة في البرلمان البرتغالي، مما يجعله لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي.
تحليل أسباب صعود اليمين المتطرف في البرتغال
يعزى صعود اليمين المتطرف في البرتغال، وعلى رأسهم أندريه فينتورا وحزب “تشيجا”، إلى عدة عوامل. من أبرزها:
- الهجرة: ركز فينتورا بشكل كبير على قضية الهجرة، واصفًا إياها بـ “المفرطة” ومؤكدًا أن “البرتغال للبرتغاليين”. وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعًا، لكنها وجدت صدى لدى شريحة من الناخبين القلقين بشأن تأثير الهجرة على الهوية الوطنية والوظائف.
- أزمة السكن وتكلفة المعيشة: يعاني العديد من البرتغاليين من صعوبة العثور على سكن بأسعار معقولة، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام. وقد استغل فينتورا هذه المشاعر السلبية، واعدًا بتقديم حلول جذرية لهذه المشاكل.
- عدم الثقة في الأحزاب التقليدية: يشعر الكثير من الناخبين بالإحباط من أداء الحزبين الرئيسيين في البلاد، الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي، اللذين تناوبا على السلطة لعقود. وقد وجدوا في “تشيجا” بديلًا جديدًا يمثل مصالحهم.
- التحولات السياسية في أوروبا: يشكل صعود الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة في دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بيئة مشجعة لنمو هذه الأحزاب في البرتغال.
تأثير نتائج الانتخابات على المشهد السياسي البرتغالي
تُشير نتائج الانتخابات الرئاسية البرتغالية إلى تحول كبير في المشهد السياسي، حيث لم يعد الحزبين التقليديين يحتكران السلطة والنفوذ. صعود أندريه فينتورا يمثل تحديًا حقيقيًا لهما، ويجبرهما على إعادة تقييم استراتيجياتهما السياسية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه النتائج قد تؤدي إلى:
- زيادة الاستقطاب السياسي: من المرجح أن تزداد حدة الخلافات السياسية في البرتغال، خاصةً فيما يتعلق بقضايا الهجرة والسيادة الوطنية.
- تأثير على السياسات الحكومية: قد تضطر الحكومة البرتغالية إلى تعديل سياساتها لتلبية مطالب الناخبين الذين دعموا “تشيجا”، خاصةً في مجالات الهجرة والإسكان.
- تأجيل القرارات الهامة: قد يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى تأجيل اتخاذ القرارات الهامة، مثل الموافقة على قانون القتل الرحيم الذي أثار جدلاً واسعًا.
الرئاسة في البرتغال: صلاحيات محدودة ودور رمزي
على الرغم من أهمية الانتخابات الرئاسية، إلا أن دور الرئيس في البرتغال يعتبر إلى حد كبير رمزيًا. فالرئيس لا يتمتع بسلطة تنفيذية، ويعتمد بشكل كبير على الحكومة في تنفيذ السياسات. ومع ذلك، فإن الرئيس يظل شخصية مؤثرة، حيث يمكنه:
- حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة: وهي صلاحية قوية تُعرف باسم “القنبلة الذرية”.
- استخدام حق النقض ضد التشريعات: على الرغم من إمكانية إلغاء حق النقض من قبل البرلمان.
- التوسط في النزاعات السياسية: والعمل على تحقيق التوافق بين مختلف القوى السياسية.
ماذا بعد جولة الإعادة؟
ستجرى جولة الإعادة بين أندريه فينتورا وأنطونيو خوسيه سيجورو في الثامن من فبراير. من المتوقع أن تكون هذه الجولة حاسمة، حيث ستحدد من سيشغل منصب الرئيس لمدة خمس سنوات في “القصر الوردي” بليشبونة.
النتائج النهائية ستكشف عن مدى قدرة أندريه فينتورا على تحويل الدعم الشعبي الذي حصل عليه في الجولة الأولى إلى أصوات حقيقية، وما إذا كان بإمكانه تحقيق اختراق تاريخي في السياسة البرتغالية. بغض النظر عن النتيجة، فإن هذه الانتخابات تمثل نقطة تحول في تاريخ البرتغال، وتؤكد على أهمية معالجة القضايا التي تهم المواطنين، مثل الهجرة وأزمة السكن وتكلفة المعيشة. كما أنها تذكرنا بأهمية الحفاظ على قيم الديمقراطية والتسامح في مواجهة صعود التطرف.

