نارا، اليابان – شهدت مدينة نارا اليابانية التاريخية، يوم الثلاثاء، اتفاقًا هامًا بين الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ورئيس الوزراء الياباني ساناي تاكايشي لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات حيوية تشمل الأمن الاقتصادي، والدفاع، والبحث عن رفات عمال السخرة الكوريين خلال فترة الحرب. هذا التقارب يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية الوحدة بين الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتصاعدة، خاصةً في ظل تعقيدات النظام الدولي الحالي. العلاقات الكورية اليابانية، وإن كانت تاريخيًا مضطربة، تشهد دفعة جديدة نحو الاستقرار والتفاهم المتبادل.
قمة نارا: بداية فصل جديد في العلاقات الكورية اليابانية
اللقاء بين الرئيس لي ورئيسة الوزراء تاكايشي لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كان تعبيرًا عن رغبة حقيقية في تجاوز الخلافات الماضية والتركيز على بناء مستقبل مشترك. أكد الرئيس لي في بداية القمة أن “التعاون بين كوريا واليابان أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى وأي شيء آخر”، مشددًا على ضرورة المضي قدمًا نحو مستقبل أفضل. هذا التصريح يعكس فهمًا عميقًا للواقع الجيوسياسي المتغير، حيث تتطلب التحديات المشتركة استجابة موحدة.
خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي أعقب المحادثات، كشف الزعيمان عن اتفاقهما على التعاون في عدة مجالات رئيسية، بما في ذلك تعزيز سلاسل التوريد، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتكثيف الجهود لمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية. كما اتفقا على المضي قدمًا في إجراء تحليل الحمض النووي للرفات التي عُثر عليها في منجم تشوسي الياباني، والتي يُعتقد أنها تعود لعمال سخرة كوريين لقوا حتفهم في ظروف مأساوية خلال الحرب العالمية الثانية.
الأمن الاقتصادي والدفاع: محاور أساسية للتعاون
تعتبر قضية الأمن الاقتصادي من أهم أولويات التعاون بين البلدين. في ظل التوترات التجارية العالمية والاعتماد المتبادل على سلاسل الإمداد، يسعى كلا الطرفين إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية وتقليل المخاطر المحتملة. يشمل ذلك التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والاستثمار.
أما في مجال الدفاع، فقد اتفق الزعيمان على تبادل المعلومات والتعاون في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، وعلى رأسها برنامج كوريا الشمالية النووي. تؤكد كل من اليابان وكوريا الجنوبية على أهمية الحفاظ على السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وتدعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق نزع السلاح النووي الكامل. كما أن التعاون الثلاثي مع الولايات المتحدة يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الأمن الإقليمي.
ملف عمال السخرة: خطوة نحو المصالحة التاريخية
يمثل ملف عمال السخرة الكوريين قضية حساسة ومعقدة في العلاقات بين كوريا واليابان. لقد عانى آلاف الكوريين من الاستغلال والظروف القاسية خلال فترة الحكم الاستعماري الياباني (1910-1945). إن الاتفاق على إجراء تحليل الحمض النووي للرفات التي عُثر عليها في منجم تشوسي يمثل خطوة إيجابية نحو المصالحة التاريخية وتقديم العدالة لضحايا الماضي.
وصفت رئيسة الوزراء تاكايشي هذا الجهد بأنه “اتفاقية صغيرة ولكنها ذات مغزى”، مؤكدةً التزامها بمواصلة تحسين العلاقات مع كوريا الجنوبية. وأضافت أنها تهدف إلى “رفع العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية إلى مستوى أعلى” هذا العام، خاصةً مع تزايد التحديات التي تواجه المنطقة.
السياق الإقليمي: التوازن بين الصين والولايات المتحدة
تأتي هذه القمة في وقت تشهد فيه المنطقة صراعات جيوسياسية متزايدة، وعلى رأسها التنافس بين الصين والولايات المتحدة. تدرك اليابان وكوريا الجنوبية أهمية الحفاظ على علاقات مستقرة مع كلا القوتين، ولكن في الوقت نفسه، تسعيان إلى تعزيز تحالفهما مع الولايات المتحدة.
أعربت رئيسة الوزراء تاكايشي عن قلقها بشأن التوترات المتزايدة حول تايوان، مشيرةً إلى أن أي عمل عسكري صيني ضد تايوان قد يبرر تدخلًا يابانيًا. في المقابل، أكد الرئيس لي على أهمية التعاون الثلاثي مع الصين، مشيرًا إلى أن القمة الثلاثية التي كان من المفترض أن تستضيفها اليابان العام الماضي لم تُعقد بسبب تدهور العلاقات بين طوكيو وبكين.
نارا: رمز للتبادل الثقافي والتاريخي
اختيار مدينة نارا لاستضافة القمة لم يكن عشوائيًا. تعتبر نارا عاصمة قديمة لليابان، وتشتهر بثقافتها الغنية ومعابدها البوذية التي يعود تاريخها إلى قرون. كما كانت مركزًا هامًا للتبادل الثقافي بين شبه الجزيرة الكورية واليابان في العصور القديمة.
أشار الرئيس لي إلى أن نارا “تحمل معنى خاصًا في وقت أصبحت فيه التبادلات الكورية اليابانية أكثر أهمية من أي وقت مضى”. وقد اصطحب رئيس الوزراء تاكايشي الرئيس لي في جولة في معبد هوريوجي، أحد أقدم المعابد الخشبية الباقية في العالم، والذي يعكس التأثير البوذي القوي الذي تلقته اليابان من شبه الجزيرة الكورية.
مستقبل العلاقات الكورية اليابانية
بينما يركز الزعيمان على القضايا ذات الاهتمام المشترك، فإن التحديات التاريخية لا تزال قائمة. ومع ذلك، فإن الروح الإيجابية التي سادت قمة نارا تشير إلى أن التعاون الكوري الياباني يمكن أن يشهد تطورات ملحوظة في المستقبل القريب.
إن قدرة البلدين على تجاوز خلافاتهما والتركيز على بناء مستقبل مشترك ستكون حاسمة ليس فقط لاستقرارهما الخاص، ولكن أيضًا لأمن وازدهار المنطقة بأكملها. إن استمرار الحوار والتفاهم المتبادل، بالإضافة إلى التعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والثقافية، سيمهد الطريق لعلاقات أكثر قوة واستدامة بين كوريا الجنوبية واليابان.

