خلاف حدودي جديد يهدد علاقات العراق والكويت والخليج
تجدد الخلاف الحدودي مجدداً بين العراق والكويت، حيث أثارت خرائط وإحداثيات قدمها العراق مؤخراً للأمم المتحدة، تحدد ما يعتبرها مناطق عراقية في الخليج الفارسي، موجة من القلق والتضامن الخليجي مع الكويت. هذا التطور يضع بغداد في موقف دفاعي، ويذكر بالتوترات التاريخية التي لم تهدأ بالكامل رغم تحسن العلاقات بعد عام 2003.
أصول الخلاف الحدودي: خرائط جديدة ومياه متنازع عليها
لم تكن الحدود البحرية بين العراق والكويت مجرد نقاط على الخرائط، بل كانت مصدراً للاحتكاك المستمر منذ سنوات. فجر هذا الخلاف بشكل مفاجئ خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما قدم العراق إلى الأمم المتحدة وثائق جديدة تحدد نطاق سيادته البحرية.
الادعاءات العراقية وتحدي السيادة الكويتية
وفقاً لوزارة الخارجية الكويتية، فإن الخرائط والإحداثيات التي قدمها العراق تنتهك سيادة الكويت بشكل مباشر. وتشمل هذه الادعاءات مناطق مائية حيوية للكويت، مثل مياه فشت القيد وفشت العيج، لتتحول بذلك إلى أراضٍ عراقية حسب الوثائق المقدمة.
هذا التحرك العراقي يشكل تحدياً مباشراً للوضع القائم، ويثير تساؤلات حول الأهداف والدوافع وراء إعادة فتح هذا الملف الشائك.
ردود الفعل الخليجية: تضامن مع الكويت
لم يمر هذا التطور مرور الكرام في دول الخليج العربي. فقد سارعت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان إلى إصدار بيانات داعمة للكويت، مؤكدة على موقفها وسيادتها.
من جانبها، عبرت المملكة العربية السعودية عن “مخاوف جدية” بشأن الخريطة العراقية، مشيرة إلى أنها تتعدى أيضاً على منطقة مشتركة بين السعودية والكويت. يعكس هذا التضامن الخليجي الشعور العام بالوحدة تجاه أي تهديد محتمل لسيادة دولة عضو.
العراق يدافع عن موقفه: أسس قانونية وتعاون إقليمي
في مواجهة هذه الانتقادات والتضامن الخليجي، سارع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى تبرير الموقف العراقي. وأكد على التزام العراق بالقانون الدولي والاتفاقيات المنظمة للحقوق البحرية.
استدعاء اتفاقيات سابقة وسياسات الأمر الواقع
أشار الوزير حسين إلى أن الكويت كانت قد أودعت خرائطها لدى الأمم المتحدة في عام 2014، دون استشارة العراق في ذلك الوقت. ووصف هذا الإجراء بأنه “سياسة الأمر الواقع”، والذي يهدف إلى تغيير جغرافية المنطقة.
ويتماشى هذا الاتهام مع شكوى رسمية أرسلها العراق إلى الأمم المتحدة في عام 2019، حيث اتهم الكويت ببناء ميناء على مياه فشت العيج الضحلة، مما يعتبر تغييراً ملموساً في الوضع القائم.
تأكيد الالتزام بالاستقرار والتعاون
أكد الوزير حسين في بيانه على أن العراق ملتزم بـ”أحكام القانون الدولي و… بتنظيم حقوقه البحرية ضمن الأطر القانونية المعمول بها، بما يسهم في تعزيز الاستقرار والتعاون في المنطقة”. يهدف هذا التصريح إلى طمأنة الأطراف المعنية بأن التحركات العراقية لا تهدف إلى خلق نزاع، بل إلى تنظيم حقوق مشروعة.
خور عبد الله: بؤرة توتر تاريخية
يعد خور عبد الله، الممر المائي الضيق الذي يتقاسمه العراق والكويت ويصب في الخليج الفارسي، أحد أعمق بؤر الخلاف بين البلدين. فقد شهد هذا الممر المائي اتفاقيات وشكاوى متكررة على مر السنين.
اتفاق 2012 وإلغائه: رحلة معقدة
في عام 2012، تم التوصل إلى اتفاق بين العراق والكويت لتنظيم الحركة والملاحة في خور عبد الله. إلا أن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً.
في عام 2023، رفع نائبان عراقيان دعوى قضائية أمام المحكمة الاتحادية العليا في العراق، مطالبين بإلغاء الاتفاقية. حيث جادلوا بأنها تنتهك سيادة العراق وتم اعتمادها دون اتباع الإجراءات البرلمانية اللازمة. وبالفعل، قامت المحكمة الاتحادية العليا لاحقاً بإلغاء الاتفاقية، مما أعاد فتح هذا الملف بشكل كامل.
أهمية خور عبد الله الاستراتيجية
تكمن أهمية خور عبد الله في موقعه الاستراتيجي، فهو يمثل عنق الزجاجة للملاحة في الخليج، ويؤثر بشكل مباشر على الوصول البحري للبلدين. أي تغيير في الوضع القائم أو عدم وضوح في ترسيم الحدود في هذه المنطقة يمكن أن يكون له تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة.
خاتمة: نحو حلول دبلوماسية بعيداً عن التصعيد
إن تجدد الخلاف حول الحدود البحرية بين العراق والكويت، وما تبعه من ردود فعل خليجية، يسلط الضوء على ضرورة الحكمة والتواصل الدبلوماسي. فالتاريخ يعلمنا أن النزاعات الحدودية، إن لم يتم التعامل معها بحذر، يمكن أن تتصاعد وتؤثر سلباً على الاستقرار الإقليمي.
من الضروري أن يسعى العراق والكويت إلى إيجاد حلول مستدامة لهذه النزاعات، من خلال الحوار المباشر، واللجوء إلى الآليات القانونية والدبلوماسية المعترف بها دولياً. إن تعزيز الثقة والتعاون بين دول الخليج هو مفتاح تجاوز هذه التحديات، وبناء مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً للجميع.

