في العلاقات الدولية، لا يوجد حليف دائم ولا عدو دائم. هذا القول ينطبق بشكل خاص على العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتي شهدت على مر العقود فترات من الانسجام العميق وخلافات حادة. على الرغم من المصالح المشتركة والقيم الديمقراطية التي تجمع بينهما، إلا أن الخلافات حول السياسات الخارجية، والأمن، والتجارة، كانت حاضرة بشكل دائم. هذه الخلافات، وإن لم تؤدِ في الغالب إلى قطيعة كاملة، إلا أنها تركت بصماتها على المشهد العالمي. في هذا المقال، سنتناول أبرز الخلافات بين أمريكا وأوروبا عبر التاريخ، وكيف تم تجاوزها، وما هو مستقبل هذه العلاقة الحيوية.
تاريخ من الخلافات: نظرة على الأزمات السابقة
لم تكن العلاقة بين واشنطن وبروكسل دائمًا سلسة. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهرت توترات بين الجانبين، تعكس اختلاف الأولويات والمصالح. هذه الخلافات لم تكن مجرد خلافات تكتيكية، بل كانت في بعض الأحيان تعبيرًا عن رؤى مختلفة للعالم ودور كل طرف فيه.
أزمة السويس (1956)
تعتبر أزمة السويس من أوائل وأبرز الأمثلة على الخلافات العميقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. عندما غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر بهدف استعادة السيطرة على قناة السويس، عارضت الولايات المتحدة هذا التدخل بشدة. مارست واشنطن ضغوطًا دبلوماسية واقتصادية كبيرة على حلفائها الأوروبيين لإجبارهم على الانسحاب، مما أدى إلى توتر حاد في العلاقات عبر الأطلسي. كانت الولايات المتحدة تخشى أن يؤدي هذا التحرك إلى تقويض نفوذها في العالم العربي، واندلاع حرب أوسع نطاقًا.
حرب فيتنام (1960s-1970s)
شكلت حرب فيتنام نقطة خلاف رئيسية أخرى. بينما قدمت الدول الأوروبية دعمًا دبلوماسيًا للولايات المتحدة، إلا أنها رفضت إرسال قوات للقتال إلى جانبها. شهدت أوروبا احتجاجات شعبية واسعة النطاق ضد الحرب، مما أضعف موقف الحكومات الأوروبية التي كانت تحاول التوفيق بين دعمها لواشنطن وضغوط الرأي العام المحلي.
أزمة صواريخ يوروبا (الثمانينيات)
في الثمانينيات، أثارت خطة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنشر صواريخ باليستية أمريكية من طراز بيرشينج وصواريخ كروز في أوروبا ردود فعل غاضبة. كان الهدف من هذه الخطوة هو مواجهة الصواريخ السوفيتية الجديدة من طراز SS-20، ولكنها أثارت مخاوف واسعة النطاق من سباق تسلح نووي جديد. شهدت العواصم الأوروبية مظاهرات حاشدة مناهضة للأسلحة النووية، موجهة انتقاداتها إلى واشنطن.
الخلافات الحديثة وتأثيرها على التحالفات
لم تتوقف الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا عند هذه النقطة. ففي العقود الأخيرة، ظهرت قضايا جديدة أثارت توترات بين الجانبين.
غزو العراق (2003)
أثار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أزمة عميقة في العلاقات مع أوروبا، خاصة فرنسا وألمانيا اللتين عارضتا بشدة الهجوم. انتقد المسؤولون الأمريكيون موقف باريس وبرلين، واصفين إياهما بـ “أوروبا القديمة” في إشارة إلى عدم رغبتهما في الانضمام إلى “أوروبا الجديدة” التي كانت تدعم الولايات المتحدة.
برامج الاحتجاز والتعذيب (بعد 2001)
كشفت برامج الاحتجاز والتعذيب التي نفذتها الولايات المتحدة في إطار “حربها على الإرهاب” عن خلافات أخلاقية وقانونية مع بعض الدول الأوروبية. بينما كانت بعض الحكومات الأوروبية متواطئة في هذه البرامج، إلا أن الرأي العام الأوروبي أدانها بشدة، مما أجبر القادة السياسيين على اتخاذ مواقف أكثر انتقادًا.
الحرب في أوكرانيا واستراتيجية الأمن القومي
شهدت الحرب في أوكرانيا تحولًا في السياسة الأمريكية، خاصة بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. خفض ترامب المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، وأبدى تقاربًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما أثار قلقًا بالغًا في أوروبا. كما أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي وضعتها إدارة ترامب صورت الحلفاء الأوروبيين على أنهم ضعفاء وغير موثوقين، مما زاد من حدة التوتر.
التعريفات التجارية
فرضت إدارة ترامب تعريفات جمركية باهظة على السلع الأوروبية، مهددة بشن “حرب تجارية” شاملة. على الرغم من التوصل إلى اتفاق في وقت لاحق، إلا أن هذه الخطوة أظهرت مدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام أدوات اقتصادية للضغط على أوروبا. هذه الخلافات التجارية أثرت سلبًا على العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
مستقبل العلاقة بين أمريكا وأوروبا
على الرغم من هذه الخلافات المتكررة، تظل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا حيوية وأساسية للأمن والاستقرار العالميين. ومع ذلك، فإن مستقبل هذه العلاقة يعتمد على قدرة الجانبين على تجاوز خلافاتهما، وإيجاد أرضية مشتركة للتعاون. يتطلب ذلك حوارًا صريحًا وبناءً، واحترامًا متبادلًا، وإدراكًا للمصالح المشتركة. كما أن تعزيز التعاون في مجالات مثل مكافحة الإرهاب، وتغير المناخ، والأمن السيبراني، يمكن أن يساعد في بناء الثقة وتقوية التحالف. إن تجاوز الخلافات بين أمريكا وأوروبا ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لمواجهة التحديات العالمية المتزايدة.

