في خطوة تاريخية تعزز مسار التحول الديمقراطي في غينيا، أيدت المحكمة العليا فوز الجنرال مامادي دومبويام في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 28 ديسمبر/كانون الأول. هذا القرار يرسخ مكانة دومبويام كرئيس منتخب ديمقراطياً بعد أربع سنوات من توليه السلطة عبر انقلاب عسكري في هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا. النتائج الرسمية أعلنت فوز دومبويام بنسبة ساحقة بلغت 86.7% من الأصوات، وهو ما أكدته المحكمة العليا، منهياً بذلك فترة من عدم اليقين السياسي.
تأكيد فوز دومبويام وتداعياته على المشهد السياسي الغيني
أكدت المحكمة العليا في العاصمة كوناكري فوز مامادي دومبويام، وهو ما كان متوقعاً على نطاق واسع من قبل المحللين السياسيين. وقد أعلن دومبويام في خطاب متلفز مساء الأحد، دعوة إلى الوحدة الوطنية، قائلاً: “اليوم، لا يوجد فائزون ولا خاسرون. هناك غينيا واحدة فقط، موحدة وغير قابلة للتقسيم”. كما تعهد بالعمل على “بناء غينيا جديدة، غينيا السلام والعدالة والرخاء المشترك، والسيادة السياسية والاقتصادية الكاملة”.
على الرغم من هذا التأكيد، لم يخلُ المشهد السياسي من التحديات. فقد قدم ييرو بالدي، الذي حل في المرتبة الثانية بحصوله على 6.59% من الأصوات، طلباً للطعن في النتائج، زاعماً وجود تلاعب في العملية الانتخابية. إلا أن بالدي سحب طلبه قبل يوم واحد من صدور الحكم النهائي، مما أزال أي عقبة أمام إعلان فوز دومبويام.
دستور جديد وانتخابات تاريخية
الانتخابات نفسها جرت بموجب دستور جديد أُقر مؤخراً، والذي يسمح للقادة العسكريين بالترشح للرئاسة ويطيل مدة الولاية الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع سنوات. هذا التعديل الدستوري أثار جدلاً واسعاً، حيث اعتبره البعض خطوة نحو تعزيز السلطة المطلقة لدومبويام.
ضعف المعارضة ودورها في نتيجة الانتخابات
أشار العديد من المراقبين إلى أن المعارضة في غينيا كانت ضعيفة بشكل ملحوظ خلال هذه الانتخابات. يعزو المحللون هذا الضعف إلى القمع السياسي الذي شهده البلاد منذ انقلاب 2021، والذي أدى إلى تهميش العديد من الشخصيات المعارضة وتقييد الحريات العامة.
وقال نافالي جيلافوجي، المحلل السياسي الغيني، إن ضعف المعارضة ساهم في تركيز الاهتمام على مامادي دومبويام كخيار وحيد لضمان استقرار الدولة. وأضاف: “الغينيون ينتظرون لمعرفة الجهود التي سيبذلها لضمان الاستقرار السياسي والمصالحة”. هذا يعني أن التحدي الأكبر أمام دومبويام، بعد تأكيد فوزه، يكمن في بناء الثقة مع الشعب وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية. من الواضح أن تحقيق الاستقرار السياسي يتطلب جهوداً مضاعفة لضمان مشاركة جميع الفئات في العملية السياسية والتنموية.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية في غينيا
على الرغم من الثروات المعدنية الهائلة التي تمتلكها غينيا، وعلى رأسها أكبر مصدر في العالم للبوكسيت، إلا أن البلاد لا تزال تعاني من مستويات عالية من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من نصف سكان غينيا، البالغ عددهم 15 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر.
التنمية الاقتصادية هي أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة. يجب على دومبويام أن يضع خططاً واضحة وملموسة لتحسين مستوى معيشة المواطنين وتوفير فرص العمل. بالإضافة إلى ذلك، يجب معالجة قضايا الفساد وسوء الإدارة المالية التي تعيق التنمية.
مشروع سيماندو وأهميته الاستراتيجية
من بين المبادرات الرئيسية التي أطلقها المجلس العسكري مشروع التعدين الضخم في سيماندو، الذي يعتبر أكبر مستودع لخام الحديد في العالم. وبدأ هذا المشروع، الذي تسيطر عليه الصين بنسبة 75%، الإنتاج في ديسمبر بعد عقود من التأخير. هذا المشروع يمثل فرصة تاريخية لغينيا لتحقيق نمو اقتصادي سريع وتحسين موقعها في الأسواق العالمية. وزيادة عائدات الدولة من هذا المشروع ستكون حاسمة في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
مستقبل غينيا في ظل رئاسة دومبويام
إن فوز مامادي دومبويام في الانتخابات الرئاسية يمثل نقطة تحول في تاريخ غينيا. الآن، يقع على عاتقه مسؤولية قيادة البلاد نحو مستقبل أفضل، يتسم بالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. تحقيق هذه الأهداف يتطلب جهوداً مضاعفة وتعاوناً بناءً مع جميع الفئات والمكونات في المجتمع الغيني. المراقبون يتوقعون أن يركز دومبويام في الفترة القادمة على تعزيز الأمن، تحسين البنية التحتية، وتطوير القطاعات الاقتصادية الرئيسية مثل التعدين والزراعة. كما سيكون من الضروري بناء علاقات قوية مع الشركاء الدوليين لجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.
في الختام، يمكن القول أن الانتخابات الرئاسية في غينيا تمثل خطوة مهمة نحو الديمقراطية، ولكن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات. نجاح دومبويام في قيادة البلاد يتوقف على قدرته على بناء الثقة مع الشعب، معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق المصالحة الوطنية.

