سوق العمل الأمريكي: أداء متباين وتوقعات متجددة
شهد سوق العمل الأمريكي مؤخرًا بيانات متباينة، حيث أظهر تقرير وزارة العمل عن إضافة أصحاب العمل 130 ألف وظيفة في الشهر الماضي، وهو ما جاء أقوى من التوقعات. ومع ذلك، كشفت مراجعات حكومية عن تخفيض للوظائف الأمريكية خلال الفترة 2024-2025 بمئات الآلاف. ورغم هذه التعديلات، انخفض معدل البطالة إلى 4.3%، مما يشير إلى استقرار نسبي في القطاعات الحيوية.
المراجعات الحكومية وتأثيرها على بيانات الوظائف
أحدثت المراجعات السنوية للحكومة الأمريكية، والتي تهدف إلى دقة أكبر في إحصاءات سوق العمل، تغييرات ملحوظة. خفضت هذه المراجعات عدد الوظائف التي تم إنشاؤها في العام الماضي إلى 181 ألف وظيفة فقط، وهو ما يمثل ثلث الرقم المبلغ عنه سابقًا (584 ألف وظيفة) ويجعله الأضعف منذ عام 2020.
تشير بعض التحليلات إلى أن هذه الأرقام الكئيبة كانت متوقعة قبل صدور تقرير الأربعاء. فقد بلغ عدد فرص العمل المتاحة لدى أصحاب العمل في ديسمبر 6.5 مليون فرصة، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من خمس سنوات.
القطاعات الحيوية تقود النمو: الرعاية الصحية والمصانع
على الرغم من التعديلات المتراجعة، كانت أرقام شهر يناير قوية بشكل مفاجئ، متجاوزة توقعات الاقتصاديين البالغ عددهم 75 ألفًا. جاءت الرعاية الصحية في مقدمة القطاعات المساهمة، حيث أضافت حوالي 82 ألف وظيفة، أي ما يقرب من 60% من إجمالي الوظائف الجديدة.
كما شهدت قطاعات التصنيع تحسنًا ملحوظًا، بإضافة 5000 عامل، لتنهي بذلك سلسلة استمرت 13 شهرًا من فقدان الوظائف. على الجانب الآخر، ألغت الحكومة الفيدرالية 34000 وظيفة، مما يعكس اتجاهات مختلفة داخل الاقتصاد.
العوامل المؤثرة: أسعار الفائدة والسياسات التجارية
يعكس التباطؤ في سوق العمل خلال العام الماضي التأثير المستمر لأسعار الفائدة المرتفعة التي طبقها الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة التضخم. بالإضافة إلى ذلك، أثرت سياسات معينة على القوى العاملة الاتحادية، كما ساهمت سياسات تجارية سابقة في تقليل رغبة الشركات في التوظيف.
لكن هناك مؤشرات تبعث على الأمل. أشارت نيكول باتشو، الخبيرة الاقتصادية في مجال العمل لدى ZipRecruiter، إلى أن البيانات الجديدة قد تشير إلى “بداية انتعاش في سوق العمل”. وعزت ذلك إلى تخفيضات أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى أن التعريفات التجارية أصبحت أكثر قابلية للتنبؤ، مما يمنح أصحاب العمل مزيدًا من الثقة.
البطالة بين السود: مؤشر إيجابي
لفتت باتشو الانتباه إلى انخفاض معدل البطالة بين السود الشهر الماضي إلى 7.2%، وهو أدنى مستوى منذ يوليو. وتعتبر هذا المؤشر علامة مهمة، حيث يعكس الاتجاه العام لسوق العمل.
تشكيك ومؤشرات على تغير محتمل
مع ذلك، لا يزال بعض الاقتصاديين مثل صامويل تومبس، من شركة بانثيون للاقتصاد الكلي، متشككين. يرى تومبس أن الطقس الدافئي غير المعتاد قد يكون ساهم في مكاسب الوظائف في يناير، خاصة في قطاع البناء الذي أضاف 33 ألف وظيفة. ويعتبر أنه “من السابق لأوانه الاستنتاج بأن سوق العمل قد تجاوز المنعطف بشكل حاسم”.
آفاق متباينة: النمو الاقتصادي مقابل سوق العمل
لم يتناسب سوق العمل الراكد في العام الماضي مع الأداء القوي للاقتصاد، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا قويًا. يتساءل العديد من الاقتصاديين عما إذا كان خلق فرص العمل سيتسارع للحاق بهذا النمو، خاصة مع إمكانية ترجمة التخفيضات الضريبية إلى إنفاق استهلاكي أكبر.
من ناحية أخرى، قد يشهد الناتج المحلي الإجمالي تباطؤًا ليتماشى مع سوق العمل، أو قد تساهم التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والأتمتة في نمو الاقتصاد دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.
الذكاء الاصطناعي وتأثيره على التوظيف
توضح تجربة شركة West Shore Home، وهي شركة لإعادة التصميم، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على التوظيف. بينما لا تتوقع الشركة خفض الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، فإنها لا تتوقع أيضًا الحاجة إلى توظيف أعداد كبيرة في المستقبل، حيث تساعد التقنية الموظفين على العمل بكفاءة أكبر.
أثر تقرير الوظائف على سياسة الاحتياطي الفيدرالي
قد يدفع تقرير الوظائف الأخير بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تأخير المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة. فقد أشار بعض مسؤولي البنك إلى أن ضعف التوظيف في العام الماضي يظهر أن تكاليف الاقتراض تؤثر على النمو. ومع ذلك، فإن الانتعاش الحالي في التوظيف، إن استمر، قد يقوض هذا الرأي.
ختام وتحفيز
قدم سوق العمل الأمريكي صورة معقدة، تجمع بين الإيجابيات المفاجئة والتحديات الهيكلية. في الوقت الذي تشير فيه قطاعات مثل الرعاية الصحية إلى زخم، تكشف المراجعات الكبرى عن الحاجة إلى فهم أعمق لديناميكيات السوق. إن مستقبل سوق العمل الأمريكي يعتمد على عوامل متعددة، بدءًا من قرارات السياسة النقدية، مرورًا بتأثيرات التكنولوجيا، وانتهاءً بالسياسات الاقتصادية. يبقى الترقب سيد الموقف لمعرفة ما إذا كان الانتعاش الحالي سيستمر ويدفع الاقتصاد نحو توازن صحي بين النمو الاقتصادي وفرص العمل.

