في تطور لافت يثير الجدل القانوني والإعلامي، تخطط هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) للدفاع عن نفسها بقوة ضد دعوى قضائية ضخمة مرفوعة من قبل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تطالب بتعويضات تقدر بـ 10 مليارات دولار. تركز هذه الدعوى على تغطية بي بي سي لخطاب ترامب الذي ألقاه في السادس من يناير عام 2021، وتحديدًا الطريقة التي قامت بها الهيئة بتحرير وبث مقتطفات منه. هذه القضية تضع تحت المجهر حرية الصحافة ومسؤولية المؤسسات الإعلامية، وتثير تساؤلات حول حدود التشهير والممارسات التجارية العادلة.

تفاصيل الدعوى القضائية ضد بي بي سي

رفع ترامب دعوى قضائية في ديسمبر الماضي، متهمًا بي بي سي بالتشهير والممارسات التجارية غير العادلة. وتستند الدعوى إلى فيلم وثائقي بعنوان “ترامب: فرصة ثانية؟” عرضته الهيئة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024. المشكلة الرئيسية تكمن في طريقة تجميع الفيلم الوثائقي لثلاثة اقتباسات من خطاب 6 يناير، مما أدى إلى تقديمها على أنها جزء من جملة واحدة، وهو ما اعتبره ترامب تحريفًا لخطابه.

وبشكل خاص، يزعم ترامب أن بي بي سي قامت بقطع جزء من خطابه حيث دعا أنصاره إلى التظاهر بشكل سلمي، مما أدى إلى تصويره على أنه يحرض على العنف. تطالب الدعوى بتعويض قدره 5 مليارات دولار عن التشهير، و5 مليارات دولار أخرى عن الممارسات التجارية غير العادلة.

اعتذار بي بي سي والرفض القاطع للاتهامات

على الرغم من أن بي بي سي قدمت اعتذارًا لترامب بشأن هذا التعديل في الخطاب، إلا أنها ترفض بشكل قاطع الاتهامات بالتشهير. وتعتبر الهيئة أن التعديل كان خطأً غير مقصود، وأنها لم تقصد الإساءة إلى ترامب أو تشويه صورته.

هذا الموقف المتشدد من جانب بي بي سي أدى إلى استقالة عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين ورئيس الأخبار في الهيئة، مما يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المؤسسة.

استراتيجية الدفاع القانوني لهيئة بي بي سي

تستعد بي بي سي لتقديم طلب إلى المحكمة الجزئية الأمريكية في ميامي لإلغاء الدعوى القضائية. تستند استراتيجية الدفاع إلى عدة نقاط رئيسية، أبرزها:

  • عدم الاختصاص القضائي: تجادل بي بي سي بأن المحكمة في فلوريدا ليست مختصة بالنظر في القضية، حيث لم تقم الهيئة بإنشاء أو إنتاج أو بث الفيلم الوثائقي في الولاية. كما أنها تشكك في صحة ادعاء ترامب بأن الفيلم كان متاحًا في الولايات المتحدة عبر خدمة البث المباشر BritBox.
  • فشل الادعاء: تؤكد بي بي سي أن ترامب لم يقدم أدلة كافية تثبت أن الهيئة تصرفت بشكل خبيث في بث الفيلم الوثائقي.
  • عدم وجود ضرر فعلي: يرى محامو بي بي سي أن ترامب لا يستطيع إثبات أنه تعرض لأي ضرر فعلي نتيجة للفيلم الوثائقي. ويستندون في ذلك إلى حقيقة فوزه بإعادة انتخابه بفارق كبير، وفوزه في فلوريدا بفارق 13 نقطة، وهو أفضل أداء له في الولاية مقارنة بالانتخابات السابقة. بالإضافة إلى ذلك، يشيرون إلى أن الفيلم الوثائقي تم بثه بعد توجيه اتهامات لترامب تتعلق بجهوده لإلغاء نتائج انتخابات 2020، مما يعني أن سمعته كانت بالفعل موضع تساؤل.

تأجيل إجراءات الكشف عن الأدلة

بالإضافة إلى طلب إلغاء الدعوى، طلبت بي بي سي من المحكمة تأجيل إجراءات الكشف عن الأدلة (الاكتشاف)، وهي المرحلة التي يتعين فيها على الأطراف تبادل المستندات والمعلومات الأخرى ذات الصلة بالقضية. وتخشى الهيئة من أن إجراءات الكشف عن الأدلة قد تكون مكلفة وتستغرق وقتًا طويلاً، خاصة إذا لم يتم قبول طلب إلغاء الدعوى.

وتشير التقديرات إلى أن المحاكمة قد لا تجري قبل عام 2027 إذا استمرت القضية.

موقف بي بي سي الرسمي

أكدت بي بي سي في بيان رسمي أنها ستدافع عن نفسها بقوة ضد هذه الدعوى القضائية. ولكنها رفضت الإدلاء بأي تعليقات إضافية حول الإجراءات القانونية الجارية، مفضلة ترك الأمر للمحكمة.

هذه القضية تمثل تحديًا كبيرًا لـ بي بي سي، وقد يكون لها تداعيات واسعة على حرية الصحافة والممارسات الإعلامية في الولايات المتحدة وخارجها. من المتوقع أن تثير القضية نقاشًا حادًا حول مسؤولية وسائل الإعلام في تغطية الأحداث السياسية، وحقوق الشخصيات العامة في حماية سمعتها.

الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها بي بي سي دعاوى قضائية تتعلق بتغطيتها الإخبارية، ولكن حجم التعويضات المطلوبة في هذه القضية يجعلها استثنائية. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة تطورات هذه القضية، ومعرفة كيف ستتعامل المحكمة مع هذه الادعاءات الجدية. كما أن مراقبة ردود الفعل من مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك السياسيين والإعلاميين والجمهور، ستكون ضرورية لفهم الأبعاد الكاملة لهذه الأزمة.

شاركها.
Exit mobile version