الاقتصاد البريطاني في مواجهة تحديات النمو: أرقام تكشف عن تباطؤ وتوقعات حذرة
شهد الاقتصاد البريطاني تباطؤًا ملحوظًا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، حيث اقتصر النمو على 0.1% فقط، وهو نفس المعدل المسجل في الربع السابق. وتعكس هذه الأرقام الرسمية، التي أعلن عنها مكتب الإحصاءات الوطنية، حالة من الترقب دفعت المستثمرين والمستهلكين إلى إعادة تقييم مواقفهم. يأتي هذا التباطؤ ليثير تساؤلات حول مسار التعافي الاقتصادي البريطاني، خاصة مع اقتراب مرحلة اتخاذ قرارات هامة في السياسة المالية.
تفاصيل أداء الاقتصاد البريطاني في الربع الأخير من 2025
أظهرت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية أن الاقتصاد البريطاني، الذي يعد سادس أكبر اقتصاد عالمي، قد نما بنسبة 0.1% فقط على أساس ربع سنوي في نهاية عام 2025. هذا المعدل يتماشى مع الربع الثالث، مما يشير إلى استمرار حالة من الركود النسبي. على مدار العام ككل، بلغ النمو 1.3%، وهو تقدم طفيف مقارنة بالعام السابق (1.1%)، ولكنه يمثل أعلى مستوى نمو سنوي منذ عام 2022.
عوامل مؤثرة على النمو الاقتصادي
يرجع العديد من الاقتصاديين هذا الأداء المخيب للآمال إلى حالة عدم اليقين التي سادت قبل الإعلان عن ميزانية حكومة حزب العمال في أواخر نوفمبر. وقد دفع هذا الشك والترقب الشركات والأفراد إلى تبني استراتيجية “الانتظار والترقب”، مما أثر سلبًا على قرارات الاستثمار والإنفاق.
تأثير عدم اليقين المالي على الاستثمار
خلال الفترة التي سبقت الميزانية، كانت هناك توقعات واسعة بأن وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، قد تتخلى عن وعودها الرئيسية بعدم رفع مستويات ضريبة الدخل. وعلى الرغم من أن الزيادات الضريبية النهائية كانت أقل بكثير مما كان متوقعًا، إلا أن فترة عدم اليقين الممتدة أدت إلى تراجع الاستثمار التجاري عن المتوقع.
قال سورين ثيرو، مدير الاقتصاد في معهد المحاسبين القانونيين ICAEW: “يختتم الربع الأخير المخيب للآمال عامًا آخر محبطًا للاقتصاد البريطاني، حيث يتراجع النمو بسرعة مثيرة للقلق بعد البداية القوية حتى عام 2025، حيث أدى ارتفاع الضرائب وتزايد عدم اليقين وضعف الإنتاجية إلى الضغط بشكل متزايد على النشاط”.
آفاق المستقبل وتوقعات بنك إنجلترا
على الرغم من الأرقام الأخيرة، تشير بعض المؤشرات الاقتصادية إلى انتعاش محتمل للنمو في أوائل عام 2026. ومع ذلك، لا يتوقع الاقتصاديون ارتفاعًا كبيرًا في معدل النمو على مدار العام بأكمله.
تخفيض توقعات بنك إنجلترا:
في خطوة تعكس تشاؤمًا حذرًا، خفض بنك إنجلترا توقعاته للنمو للعامين المقبلين. تم تعديل توقعات النمو لعام 2026 من 1.2% إلى 0.9%، ولعام 2027 من 1.6% إلى 1.5%. تعكس هذه التعديلات التحديات المستمرة التي تواجه الاقتصاد البريطاني، بما في ذلك ضغوط التضخم وتأثير السياسات الاقتصادية.
آمال الحكومة وتوقعات السياسة النقدية
تسعى حكومة حزب العمال البريطاني، التي واجهت تحديات في الحفاظ على الدعم الشعبي منذ فوزها في الانتخابات العامة لعام 2024، إلى تعزيز النمو الاقتصادي. ومع توقع انخفاض التضخم بشكل حاد هذا العام، تأمل الحكومة أن يتخذ بنك إنجلترا قرارًا بخفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة مئوية أخرى في مارس، ليصل إلى 3.50%، بعد أن أبقاه دون تغيير عند 3.75% في الأسبوع الماضي.
قال سيمون بيتاوي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة القرار البحثية: “مهمة عام 2026 هي أن تضاعف الحكومة أجندة النمو الخاصة بها لبناء انتعاش اقتصادي مستدام سيتدفق في النهاية إلى رواتب الناس”.
الخلاصة: تحديات وفرص للاقتصاد البريطاني
تُظهر الأرقام الأخيرة للاقتصاد البريطاني صورة معقدة. فبينما يمثل التباطؤ في نهاية عام 2025 دعوة واضحة لإعادة تقييم الاستراتيجيات، فإن وجود مؤشرات على انتعاش محتمل وتوقعات بانخفاض التضخم تفتح الباب أمام تفاؤل حذر. ستكون قدرة الحكومة على تنشيط الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية، وإدارة التوقعات الاقتصادية عاملاً حاسماً في تشكيل مسار التعافي الاقتصادي البريطاني في السنوات القادمة. إن تحقيق انتعاش اقتصادي مستدام يتطلب جهودًا متضافرة وتعاونًا بين القطاعين العام والخاص للتغلب على التحديات الحالية وتعزيز النمو على المدى الطويل.
(تاريخ النشر: 2026-01-01)

