في سوق كاراكاس المترامي الأطراف، تتجسد مأساة فنزويلا، حيث يواجه المواطنون ارتفاعًا جنونيًا في الأسعار وصعوبة بالغة في تأمين أبسط الاحتياجات. بينما تعلن واشنطن عن وعود باستثمارات أمريكية ضخمة لإعادة إحياء البنية التحتية وصناعة النفط في البلاد، لا يزال الواقع المؤلم للفنزويليين بعيدًا كل البعد عن تلك الآمال. هذا المقال يسلط الضوء على التحديات الاقتصادية الخانقة في فنزويلا، ومقارنة بين الوعود الأمريكية والظروف المعيشية الصعبة، مع التركيز على تأثير الأزمة على حياة المواطنين اليومية.
الأزمة الاقتصادية في فنزويلا: واقع مرير
تعيش فنزويلا أزمة اقتصادية عميقة الجذور منذ سنوات، تفاقمت بسبب انخفاض أسعار النفط، والفساد المستشري، وسياسات اقتصادية فاشلة. آنا كالديرون، العاملة في المرافق العامة، هي مجرد مثال على الملايين الذين يكافحون من أجل البقاء. تقول كالديرون بأسى: “الغذاء باهظ الثمن بشكل لا يصدق”، مضيفة أن أسعار الخضروات واللحوم ارتفعت بشكل مذهل في الأسابيع الأخيرة. سعر الكرفس تضاعف، وكيلوغرام اللحم تجاوز 10 دولارات، أي ما يعادل 25 ضعف الحد الأدنى للأجور الشهرية.
هذا الارتفاع في الأسعار يفرض ضغوطًا هائلة على الأسر الفنزويلية، حيث يضطر الكثيرون للعمل في وظائف متعددة لتغطية نفقاتهم. العديد من الأطفال ينامون جوعى، والعائلات مجبرة على الاختيار بين شراء الأدوية أو توفير الطعام. تشير التقديرات إلى أن ثمانية من كل عشرة فنزويليين يعيشون في فقر مدقع، مما يجعل الوضع الاقتصادي في فنزويلا من بين الأسوأ في العالم.
وعود أمريكية بإعادة الإعمار: هل ستتحقق؟
في البيت الأبيض، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن التزامه بالتدخل الأمريكي في فنزويلا، واعدًا بضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية، وإعادة إحياء صناعة النفط، وتحقيق عصر جديد من الرخاء. هذه الوعود أثارت بعض الأمل في نفوس الفنزويليين، لكنها تترافق مع شكوك عميقة.
لويزا بالاسيوس، الخبيرة الاقتصادية الفنزويلية والباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، تشير إلى أن “الناس يعرفون أن التوقعات قد تغيرت بشكل كبير، لكنهم لا يرون ذلك بعد على أرض الواقع. ما يرونه هو القمع والارتباك.” مضيفة “إنهم متفائلون ويتوقعون أن الأمور سوف تتغير ولكن هذا لا يعني أن الأمور سوف تتغير الآن.” وبالفعل، فإن الاعتقال المفاجئ للرئيس السابق نيكولاس مادورو أثار موجة من التساؤلات حول مستقبل البلاد، وما إذا كانت هذه التدخلات ستؤدي إلى تحسن حقيقي في الأوضاع المعيشية.
التضخم الجامح وانخفاض قيمة العملة
أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفنزويلي هو التضخم المفرط. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل التضخم في فنزويلا يبلغ نسبة مذهلة تبلغ 682%، وهو الأعلى على مستوى العالم. هذا التضخم المدمر يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية، ويجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للمواطنين.
نيلا روا، وهي أم تحمل طفلها البالغ من العمر 5 أشهر، تبيع أعواد السجائر في سوق كاراكاس، وتضطر إلى مراقبة أسعار الصرف وتقلباتها بشكل يومي لتحديد سعر البيع المناسب. تقول روا بيأس: “التضخم والمزيد من التضخم وانخفاض قيمة العملة… الأمر خارج عن السيطرة”. حتى مع ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، لا يزال الكثير من الفنزويليين يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية. الحد الأدنى للأجور لم يرتفع منذ عام 2022، ولا يزال أقل بكثير من خط الفقر المدقع المحدد من قبل الأمم المتحدة.
مستقبل صناعة النفط: الأمل المتبقي لـ فنزويلا
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ويعتمد اقتصادها بشكل كبير عليها. في الماضي، شهدت البلاد ازدهارًا بفضل عائدات النفط، لكن سوء الإدارة والفساد أدى إلى تدهور صناعة النفط. يقول ترامب أن إحياء صناعة النفط هو محور تدخله، وأن الولايات المتحدة ستستثمر في استخراج المزيد من النفط، وتصديره، وإعادة إعمار البنية التحتية.
الخبير الاقتصادي ألبرت ويليامز يرى أن “عودة قطاع الطاقة إلى ذروته سيكون له تأثير غير مباشر كبير في بلد يعتبر فيه النفط الصناعة المهيمنة، مما يؤدي إلى افتتاح المطاعم والمتاجر وغيرها من الشركات.” ومع ذلك، يضيف ويليامز أن العملية ستكون طويلة ومعقدة، وأن مصير البلاد يعتمد على قدرة الحكومة الجديدة على التكيف مع التغيير.
التحديات المستمرة والبحث عن حلول
على الرغم من الوعود الأمريكية، لا يزال مستقبل فنزويلا غير مؤكد. بالنسبة للكثيرين، لا توجد علامة فورية على التحسن. عملية إعادة إعمار صناعة النفط والتغلب على التضخم المفرط وانهيار العملة ستستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.
في ظل هذه الظروف، اعتاد الفنزويليون على التعامل مع الحياة اليومية بمنطقية وعقلانية. “المحلل”، أو “اكتشف الأمر”، هو التعبير الأكثر شيوعًا الذي يعكس طبيعة الحياة في فنزويلا، حيث تنطوي كل معاملة على حسابات دقيقة. إن الظروف المعيشية في فنزويلا تتطلب الصبر والتكيف والاعتماد على الذات.
في النهاية، يظل مستقبل فنزويلا معلقًا في الميزان. الوعود الأمريكية تمثل بصيص أمل، لكن تحقيق هذه الوعود يتطلب التزامًا حقيقيًا وإصلاحات جذرية ومعالجة عميقة لأسباب الأزمة. والأهم من ذلك، يجب أن يكون لتحسين الأوضاع الاقتصادية تأثير مباشر وملموس على حياة المواطنين الفنزويليين، وليس مجرد استثمارات تهدف إلى تحقيق مصالح خارجية.

