في تطور أثار غضبًا واسعًا، شهدت مدينة بنما هدم نصب تذكاري يخلد ذكرى الجالية الصينية، مما عمق التوترات القائمة بين بنما والصين في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة. الحادثة، التي وقعت في وقت مبكر من يوم الاثنين، أثارت موجة استنكار من كلا البلدين، وأدت إلى دعوات للتحقيق وإعادة بناء النصب. يمثل هذا الهدم ضربة قوية للعلاقات الثنائية، ويعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المتزايدة في المنطقة.
هدم النصب التذكاري الصيني في بنما: تفاصيل الحادثة وردود الفعل الأولية
تم تداول مقاطع فيديو على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر جرافات ضخمة تهدم النصب التذكاري الذي يقع بالقرب من قناة بنما. يخلد هذا النصب ذكرى مرور 150 عامًا على وجود الجالية الصينية في بنما، ودورهم المحوري في بناء كل من السكك الحديدية العابرة لليابسة وقناة بنما نفسها. تميز النصب بتصميمه المعماري الصيني التقليدي، بما في ذلك الأقواس الاحتفالية والبلاط المنحني والأُسود الحجرية الشهيرة.
السفارة الصينية في بنما لم تصمت طويلًا، حيث أصدرت بيانًا حادًا اتهم فيه السلطات المحلية بـ “هدم النصب بوقاحة وبالقوة”، معتبرةً ذلك “إضرارًا خطيرًا بمشاعر الشعب الصيني تجاه الشعب البنمي”. السفير الصيني، شو شيو يوان، طالب بتفسير لما حدث، وتساءل بمرارة في منشور على منصة “إكس”: “هذا النصب التذكاري، الذي يحمل 171 عامًا من الحياة والدم والتفاني من جانب المجتمع الصيني، قد تحطم إلى أشلاء. رمز الصداقة بين الصين وبنما، الذي تحول إلى لا شيء. وأنا أسأل: لماذا؟”.
خلفيات سياسية: علاقة بنما بالصين والولايات المتحدة
يعود هذا الحادث إلى الخلفية السياسية المعقدة التي تمر بها بنما. ففي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين بنما والصين دفعة قوية، مع زيادة كبيرة في الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والتجارة. ومع ذلك، تواجه هذه العلاقات ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة، التي تسعى إلى الحد من النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية.
وقد اتهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الصين بمحاولة السيطرة على قناة بنما، وهي اتهامات نفتها حكومة بنما مرارًا وتكرارًا. كما سعى ترامب إلى تعويض العلاقات الاقتصادية بين دول أمريكا اللاتينية والصين، معربًا عن قلقه من تفوق الاستثمارات الصينية على الاستثمارات الأمريكية في المنطقة. من الواضح أن هدم النصب التذكاري يأتي في سياق هذه التوترات، وقد يعتبره البعض رسالة سياسية موجهة إلى بكين. هذا التوتر السياسي حول العلاقات الصينية البنمية يلقي بظلاله على الحادثة.
تفسير الحكومة البنمية: “مخاطر هيكلية” أم دوافع خفية؟
في محاولة لتهدئة الغضب المتزايد، صرحت حكومة بنما بأن النصب التذكاري تم هدمه بسبب “مخاطر هيكلية” تهدد السلامة العامة. وذكر مكتب عمدة أرايجان أن النصب كان يعاني من مشاكل في البنية التحتية قد تؤدي إلى انهياره.
لكن هذا التفسير لم يلقَ قبولًا واسعًا، خاصةً وأن عملية الهدم تمت فجأة وفي منتصف الليل، مما أثار الشكوك حول وجود دوافع خفية. رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، أعرب عن غضبه من “وحشية” الهدم، وأعلن أن الحكومة الفيدرالية ستقوم بإعادة بناء النصب التذكاري. وأكد في تغريدة على منصة “إكس” أن هذا النصب يمثل “مجتمعًا تقليديًا في بلادنا يمتد لأجيال عديدة”، وأنهم “يستحقون كل احترامنا”. وأمر بإطلاق تحقيق فوري في الحادثة.
ردود فعل واسعة النطاق: غضب واستياء من الجالية الصينية والمجتمع البنمي
أثار هدم النصب التذكاري غضبًا واستياءً كبيرين من قبل الجالية الصينية في بنما، وكذلك من قطاعات واسعة من المجتمع البنمي. نظم أعضاء من الجالية الصينية احتجاجًا في موقع الهدم، معربين عن حزنهم وخيبتهم من هذا الفعل الذي وصفوه بـ “القاسي وغير المبرر”. وبعض الشركات التابعة للجالية الصينية أعلنت عن إغلاق أبوابها احتجاجًا على الحادثة.
كما عبر العديد من البنميين عن صدمتهم وغضبهم من هدم النصب، معتبرين أنه إهانة لتاريخهم المشترك وعلاقاتهم مع الجالية الصينية. المرشد السياحي البنمي، خايمي بوستوس، قال إنه أصيب بالصدمة عندما اصطحب مجموعة من السياح الإيطاليين لزيارة النصب، ليجدوه وقد تحول إلى أنقاض. وأضاف متحدث باسم الجالية الصينية في بنما: “لقد ساعدوا في بناء خط السكة الحديد بين المحيطات، وساعدوا في بناء قناة بنما، وهم يساعدون اقتصاد بلادنا. أعتقد أن هذا كان عملاً قاسياً.”
مستقبل العلاقات البنمية الصينية: ضرورة الحوار والتفاهم
هدم النصب التذكاري يمثل نقطة تحول حرجة في العلاقات بين بنما والصين. من الواضح أن هناك حاجة ماسة إلى حوار وتفاهم بين الطرفين لتهدئة التوترات واستعادة الثقة. يجب على حكومة بنما أن تكون شفافة في تحقيقاتها، وأن توضح ملابسات الحادثة بشكل كامل. كما يجب عليها أن تلتزم بإعادة بناء النصب التذكاري، وتكريمه كتعبير عن احترامها للجالية الصينية ودورها في تاريخ بنما.
من جهته، يجب على الصين أن تتعامل مع الموقف بحكمة وهدوء، وأن تتجنب اتخاذ أي خطوات انتقامية قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة. يمكن للصين أن تلعب دورًا بناءً في تعزيز الحوار والتفاهم بين بنما والولايات المتحدة، بهدف إيجاد حلول سلمية ومستدامة للتحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه المنطقة. ويتطلب الوضع الحالي تقييمًا دقيقًا للسياسات الخارجية و التعاون الاقتصادي مع الصين.
في الختام، يمثل هدم النصب التذكاري الصيني في بنما خسارة فادحة للتاريخ والثقافة المشتركة بين البلدين. يجب على الطرفين العمل معًا لمعالجة الأسباب الجذرية لهذا الحادث، وبناء مستقبل قائم على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر. هذه الحادثة ستظل محطة مهمة في التاريخ البنمي الصيني، وتذكرنا بأهمية الحفاظ على الروابط الثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعوب.

