اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في إيران، يوم الاثنين، تعكس تصاعد الغضب الشعبي إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار قيمة الريال الإيراني. وتعتبر هذه المظاهرات الأكبر منذ عام 2022، عندما أشعلت وفاة مهسا أميني احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء البلاد.

تدهور اقتصادي يغذي الاحتجاجات في إيران

شهدت إيران في الأيام الأخيرة سلسلة من الأحداث المقلقة التي فاقمت الأزمة الاقتصادية الخانقة. بدأ الأمر بانخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني ليصل إلى مستوى قياسي مقابل الدولار الأمريكي، قبل أن يشهد بعض الاستقرار النسبي. هذا الانخفاض يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع المتزايد.

ولم يقتصر الأمر على انهيار العملة، بل تزامن مع استقالة محمد رضا فرزين من منصبه كرئيس للبنك المركزي، مما أضاف إلى حالة عدم اليقين السائدة. يشير هذا التغيير المفاجئ إلى عمق الأزمة التي تواجهها البلاد، وصعوبة إيجاد حلول سريعة لها. تداول المواطنون الريال بـ 1.42 مليون مقابل الدولار الأحد قبل أن يعود ليتداول بـ 1.38 مليون يوم الاثنين، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل.

غضب التجار ودورهم المحتمل في الاحتجاجات

بدأت الشرارة الأولى للاحتجاجات من الأسواق، حيث أغلقت العديد من المتاجر أبوابها في شارع سعدي بوسط طهران وحي شوش بالقرب من البازار الكبير. هذا الإغلاق جاء كرسالة احتجاج واضحة على الأوضاع الاقتصادية المتردية، ودعوة إلى التغيير. ويحمل هذا المشهد دلالات تاريخية مهمة، حيث لعب التجار في السوق الإيراني دوراً محورياً في الثورة الإسلامية عام 1979.

ووفقًا لشهود عيان، دعا التجار الآخرين إلى الانضمام إليهم في الإضراب، مما أدى إلى توقف العديد من الشركات عن العمل. على الرغم من أن بعض المتاجر بقيت مفتوحة، إلا أن الحالة العامة كانت تعكس حالة من السخط والاستياء الواسع. هذه المطالبات من التجار تعكس قلقهم المتزايد بشأن مستقبل أعمالهم وقدرتهم على الاستمرار في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

تداعيات التضخم وارتفاع الأسعار

تصاعد معدل التضخم بشكل كبير في إيران، ليصل إلى 42.2% في ديسمبر الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ عام. هذا الارتفاع يؤثر بشكل خاص على أسعار المواد الغذائية والمنتجات الصحية والطبية، التي ارتفعت بنسبة 72% و 50% على التوالي. العديد من الخبراء والمحللين يرون أن هذا المعدل هو مؤشر على اقتراب البلاد من حالة التضخم المفرط، وهو سيناريو كارثي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بشكل كبير.

بالإضافة إلى ذلك، تثير التقارير التي تتحدث عن خطط حكومية لزيادة الضرائب في العام الإيراني الجديد الذي يبدأ في 21 مارس/آذار، مزيداً من القلق لدى المواطنين. وتضع هذه الخطط ضغوطًا إضافية على ميزانيات الأسر، في وقت هي بأمس الحاجة إلى الدعم والتخفيف.

العوامل الخارجية وتأثيرها على الوضع الإيراني

تتفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران بسبب عدة عوامل خارجية، أهمها العقوبات الدولية المفروضة على البلاد. فقد أعادت الأمم المتحدة فرض العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني في سبتمبر الماضي، مما أدى إلى تجميد الأصول الإيرانية في الخارج، وتعطيل صفقات الأسلحة، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية.

كما أن الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، أدى إلى انهيار الصفقة وتصاعد التوترات الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، يثير خطر تجدد الصراع بين إيران وإسرائيل قلقًا كبيرًا في السوق، ويزيد من حالة عدم اليقين. يتخوف الكثيرون من أن أي تصعيد عسكري يمكن أن يؤدي إلى مواجهة أوسع نطاقاً، قد تتورط فيها الولايات المتحدة، مما قد يفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل كبير. إن هذه العوامل الخارجية تضع ضغوطًا هائلة على الاقتصاد الإيراني، وتساهم في تدهور الأوضاع المعيشية.

مستقبل الاحتجاجات والاقتصاد الإيراني

من الصعب التكهن بمستقبل الاحتجاجات في إيران، ولكن من الواضح أنها تعكس حالة من الغضب والإحباط المتزايدين لدى المواطنين. ويمكن أن تؤدي هذه الاحتجاجات إلى مزيد من الضغوط على الحكومة، وتدفعها إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الأزمة الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن الحلول لا تزال بعيدة المنال، وتتطلب جهودا كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي. يتعين على الحكومة الإيرانية أن تبحث عن طرق مبتكرة لتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين الشفافية والحكم. كما أن عودة التفاوض مع القوى الكبرى بشأن البرنامج النووي، ورفع العقوبات، يمكن أن يساهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية. إن الوضع الاقتصادي في إيران يتطلب تدخلات عاجلة وشاملة، لإعادة الاستقرار والنمو، وتلبية تطلعات الشعب الإيراني. تدهور الريال الإيراني هو مؤشر خطر يستدعي القلق والتحرك. والاحتجاجات الإيرانية المستمرة دليل على أن الصبر قد نفد.

شاركها.
Exit mobile version