النمو الاقتصادي الأمريكي يتسارع إلى 4.3% في الربع الثالث مدفوعًا بإنفاق المستهلكين
واشنطن (أ ف ب) – شهد الاقتصاد الأمريكي نموًا قويًا بشكل ملحوظ في الربع الثالث من العام، حيث بلغ معدل النمو السنوي 4.3%، وهو أسرع توسع خلال عامين. يعزى هذا النمو بشكل أساسي إلى استمرار المستهلكين في الإنفاق على الرغم من استمرار التضخم. أعلنت وزارة التجارة الأمريكية، يوم الثلاثاء، أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الفترة من يوليو إلى سبتمبر – وهو إجمالي إنتاج الاقتصاد من السلع والخدمات – ارتفع، متجاوزًا التوقعات الأولية التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 3.8% في الربع السابق (أبريل – يونيو). وقد فاق هذا الأداء توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت آراءهم شركة FactSet، والذين توقعوا نموًا بنسبة 3% فقط.
قوة المستهلك تدفع عجلة الاقتصاد الأمريكي
كما هو الحال في أغلب فترات هذا العام، يظل المستهلك هو المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي. فقد ارتفع الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل حوالي 70% من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، بمعدل سنوي قدره 3.5% في الربع الماضي، مقارنة بـ 2.5% في الفترة من أبريل إلى يونيو. يشير هذا الارتفاع إلى قدرة المستهلكين على مواصلة الإنفاق على الرغم من الضغوط التضخمية المستمرة. الناتج المحلي الإجمالي يعكس هذه القوة الشرائية.
تحديات النمو المستقبلي
على الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، يعتقد العديد من الاقتصاديين أن هذا النمو قد يكون مؤقتًا. فالإغلاق الحكومي المطول قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد في الربع الرابع، بالإضافة إلى تزايد شعور الأمريكيين بالإحباط بسبب ارتفاع التضخم. وقد أظهر استطلاع حديث لمجلس المؤتمر انخفاضًا في ثقة المستهلك، حيث اقتربت من مستويات لم تشهدها البلاد منذ فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق على الشركاء التجاريين.
ستيفن ستانلي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك سانتاندير، يرى أن “القفزة في الإنفاق الاستهلاكي تذكرنا كثيرًا بالربع الرابع من العام الماضي، حيث كان المستهلكون ينفقون بشكل مفرط. لذلك، قد تحتاج الأسر إلى التمهل قريبًا.”
“اقتصاد على شكل حرف K” وتأثيره على الإنفاق
تشير البيانات إلى وجود تباين واضح بين ما يقوله المستهلكون عن شعورهم وما ينوون إنفاقه. هذا التباين قد يكون دليلًا على ما يُعرف بـ “اقتصاد على شكل حرف K”، حيث يزداد دخل الأمريكيين الأكثر ثراءً بسبب مكاسب سوق الأوراق المالية وزيادة الاستثمارات، بينما تكافح الأسر ذات الدخل المنخفض مع ركود الأجور وارتفاع الأسعار.
مايكل بيرس، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في جامعة أكسفورد إيكونوميكس، يوضح أن “أحدث البيانات حول إنفاق الأسر تشير إلى استمرار المكاسب القوية في الإنفاق الاستهلاكي، وخاصة على الخدمات. نعتقد أن هذا يعكس انتعاش المستهلك على شكل حرف K، حيث ينمو الإنفاق مدفوعًا بالأسر الأكبر سنًا والأكثر ثراءً، بينما يعاني أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط.”
التضخم يظل مصدر قلق
أظهر تقرير الناتج المحلي الإجمالي أيضًا أن التضخم لا يزال أعلى من المستوى الذي يفضله بنك الاحتياطي الفيدرالي. ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل للتضخم لدى البنك المركزي، إلى معدل سنوي قدره 2.8% في الربع الأخير، مقارنة بـ 2.1% في الربع الثاني. هذا الارتفاع في التضخم قد يجعل خفض أسعار الفائدة في يناير أقل احتمالًا، حتى مع استمرار قلق مسؤولي البنك المركزي بشأن تباطؤ سوق العمل.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة أخرى للاقتصاد الأمريكي. فقد نما الاستثمار في الملكية الفكرية، التي تشمل الذكاء الاصطناعي، بنسبة 5.4% في الربع الثالث، بعد قفزة أكبر بنسبة 15% في الربع الثاني.
نظرة مستقبلية
على الرغم من التحديات، يواصل الاقتصاد الأمريكي إظهار مرونة. فقد نما الاستهلاك والاستثمار الحكومي بنسبة 2.2% في الربع، مدفوعًا بزيادة الإنفاق على مستوى الولايات والمستوى المحلي والإنفاق الدفاعي للحكومة الفيدرالية. ومع ذلك، انخفضت استثمارات الأعمال الخاصة بنسبة 0.3%، بقيادة انخفاضات في الاستثمار في الإسكان والمباني غير السكنية.
بشكل عام، يظهر الاقتصاد الأمريكي قوة أساسية، حيث نما مقياس القوة الأساسية للاقتصاد بنسبة 3% من يوليو إلى سبتمبر. ومع ذلك، لا يزال التضخم يمثل تهديدًا كبيرًا، وقد يؤثر على قرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في المستقبل. النمو الاقتصادي يتطلب مراقبة دقيقة للتضخم وسوق العمل.
في الختام، يمثل النمو القوي للاقتصاد الأمريكي في الربع الثالث تطورًا إيجابيًا، ولكنه يأتي مع تحديات كبيرة. فالتضخم المستمر، والإغلاق الحكومي المحتمل، والتباين في الدخل بين الأسر المختلفة، كلها عوامل قد تؤثر على مسار النمو في المستقبل. من الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب لتقييم الوضع الاقتصادي بشكل كامل.

