الاتحاد الأوروبي يخطو نحو اتفاقية تجارية تاريخية مع ميركوسور، وإيطاليا تقدم دعماً حاسماً
يشهد المشهد التجاري العالمي تطورات متسارعة، وفي هذا السياق، أعلنت إيطاليا دعمها لاتفاقية التجارة الحرة الضخمة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور في أمريكا الجنوبية (البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وباراجواي وأوروغواي). هذه الخطوة، التي طال انتظارها لأكثر من 25 عامًا، تمثل دفعة قوية لجهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز نفوذه الاقتصادي وتأمين مكانته في عالم يشهد صراعات تجارية متزايدة. وتعد هذه الاتفاقية التجارية، التي تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، بمثابة نقطة تحول في السياسة التجارية الأوروبية.
## أهمية اتفاقية ميركوسور للاتحاد الأوروبي
تعتبر اتفاقية التجارة الحرة مع ميركوسور ذات أهمية استراتيجية كبيرة للاتحاد الأوروبي لعدة أسباب. أولاً، ستنشئ هذه الاتفاقية واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، حيث تغطي سوقًا تضم حوالي 780 مليون شخص وتمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا التوسع في الوصول إلى الأسواق يفتح آفاقًا جديدة للشركات الأوروبية لزيادة صادراتها واستثماراتها.
ثانياً، تأتي هذه الاتفاقية في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تحديات اقتصادية متزايدة، بما في ذلك التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والصين. من خلال تنويع شركائها التجاريين، تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على هذه القوى الاقتصادية الكبرى وتعزيز استقلاليتها الاقتصادية.
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن هذه الصفقة ترسل “إشارة قوية” إلى النفوذ الاقتصادي للاتحاد الأوروبي واستقراره “في مواجهة عالم متزايد العداء والمعاملات”.
### دعم إيطاليا: نقطة تحول في المفاوضات
كان دعم إيطاليا، بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، حاسماً للغاية لإتمام هذه الاتفاقية. حيث كانت إيطاليا تمثل أحد العقبات الرئيسية أمام التصديق على الاتفاقية، بسبب مخاوف تتعلق بحماية المزارعين الإيطاليين.
لكن ميلوني أكدت أنها لم تعد لديها “أي اعتراضات أيديولوجية” على الاتفاقية، معربة عن ثقتها في أن التعديلات التي تم إدخالها توفر ضمانات كافية لحماية مصالح المزارعين الإيطاليين. وأشاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بالاتفاقية، واصفاً إياها بـ”أخبار جيدة لإيطاليا”.
## الفوائد الاقتصادية المتوقعة
تتوقع الأطراف المعنية أن تحقق اتفاقية التجارة الحرة مع ميركوسور فوائد اقتصادية كبيرة لكلا الجانبين. تشير التقديرات إلى أن الاتفاقية قد تزيد الصادرات الأوروبية إلى دول ميركوسور بمقدار 700 مليار يورو بحلول عام 2040.
وبالنسبة لألمانيا، يرى المستشار الألماني فريدريش ميرز أن الاتفاقية تمثل “علامة فارقة في السياسة التجارية الأوروبية” و “إشارة مهمة لسيادتنا الإستراتيجية وقدرتنا على التحرك”. كما تتوقع البرازيل، باعتبارها أكبر اقتصاد في كتلة ميركوسور، أن تستفيد بشكل كبير من الاتفاقية، حيث من المتوقع أن تعزز نموها الاقتصادي وتجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا وصف الاتفاقية بأنها “يوم تاريخي للتعددية”.
### ردود الفعل والتحديات المتبقية
على الرغم من الدعم الكبير الذي حظيت به الاتفاقية، إلا أنها لا تزال تواجه بعض المعارضة من داخل الاتحاد الأوروبي. فرنسا وبولندا، على سبيل المثال، كانتا من بين الدول التي أعربت عن مخاوفها بشأن تأثير الاتفاقية على المزارعين الأوروبيين.
وقد أدت هذه المخاوف إلى إجراء مفاوضات إضافية، أسفرت عن تضمين آليات “مكابح الطوارئ” لحماية المزارعين الأوروبيين في حالة حدوث انخفاض كبير في أسعار المنتجات الزراعية. كما تم الاتفاق على تعزيز عمليات التفتيش على واردات الأغذية الزراعية من دول ميركوسور.
ومع ذلك، لا يزال البعض يشكك في كفاية هذه الضمانات. حزب الخضر في البرلمان الأوروبي تعهد بمقاضاة المفوضية بشأن الاتفاقية، معرباً عن قلقه من أنها قد تؤدي إلى تسريع عملية إزالة الغابات في منطقة الأمازون.
## مستقبل اتفاقية ميركوسور
بعد موافقة إيطاليا، من المقرر أن يصوت البرلمان الأوروبي على الاتفاقية في وقت لاحق من هذا العام. إذا تمت الموافقة عليها، فستدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بعد تصديق جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور عليها.
من المتوقع أن تتسبب هذه الاتفاقية التجارية في تغييرات جذرية في العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية، وأن تفتح الباب أمام المزيد من التعاون في مجالات أخرى، مثل البيئة والطاقة والأمن. الاتفاقية مع ميركوسور تمثل خطوة مهمة نحو بناء عالم تجاري أكثر انفتاحاً وتوازناً، وتؤكد على التزام الاتحاد الأوروبي بالدبلوماسية والتعددية. ومن خلال هذه الاتفاقية، يرسل الاتحاد الأوروبي رسالة واضحة مفادها أنه مستعد للعب دور قيادي في تشكيل مستقبل التجارة العالمية.
بشكل عام، تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور فرصة تاريخية لتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في كلا الجانبين، وتأكيد مكانة أوروبا كشريك تجاري موثوق به في عالم متغير.

