دورة النينيو والارتفاع القياسي لدرجات الحرارة العالمية.. فهم العلاقة المعقدة
شهدت السنوات الثلاث الماضية قفزة ملحوظة في متوسط درجات الحرارة الشهرية للأرض، مما دفع العلماء إلى البحث عن تفسيرات لهذا الاتجاه التصاعدي غير المعتاد. تشير دراسة حديثة إلى أن التفاعلات المعقدة بين دورات المناخ الطبيعية، وتحديداً ظاهرتي النينيو والنينيا، قد تلعب دوراً حاسماً في هذا الارتفاع. لا يقتصر الأمر على التغيرات المناخية التي يسببها الإنسان، بل إن تغير أنماط هذه الظواهر الطبيعية، وتكيف العلماء معها، يكشف عن أبعاد جديدة لفهم مناخنا المتغير.
فهم ظاهرتي النينيو والنينيا
ظاهرتي النينيو والنينيا هما جزء من دورة طبيعية تُعرف باسم ظاهرة “إل نينيو-التذبذب الجنوبي” (ENSO). تحدث هذه الظاهرة في المحيط الهادئ الاستوائي وتؤثر على أنماط الطقس حول العالم.
النينيو: فترة الدفء
تتميز ظاهرة النينيو بارتفاع دوري وطبيعي في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي. هذا الاحترار يؤثر على تيارات المحيط ويتسبب في تحولات واسعة في أنماط الطقس، وغالباً ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
النينيا: فترة البرودة
على النقيض من ذلك، تتميز ظاهرة النينيا بانخفاض درجات حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي عن المعدل الطبيعي. تميل ظاهرة النينيا إلى كبح الارتفاع العالمي في درجات الحرارة على المدى الطويل، ولكنها قد تزيد من شدة بعض الظواهر الجوية الأخرى.
لماذا تتشكل دورات الطقس بالتزامن مع الظواهر الطبيعية؟
بدأت الأرض مؤخراً في تجاوز الاتجاهات طويلة الأمد لتغير المناخ، وشهدنا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة منذ أوائل عام 2023. يدرس العلماء عدة نظريات لتفسير هذه الزيادة، بما في ذلك تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري، وتغييرات في تلوث الجسيمات، وحتى ثوران بركان تحت الماء.
اختلال توازن طاقة الأرض ودور النينيو
تكشف دراسة جديدة في مجلة “علوم الأرض الطبيعية” عن زيادة في “اختلال توازن طاقة الأرض” خلال عام 2022. هذا الاختلال، الذي يعني حبس المزيد من الحرارة، يُعتقد أنه يساهم في ارتفاع درجات الحرارة. يقدر الباحثون أن حوالي ثلاثة أرباع هذا التغير يعود إلى مزيج من تغير المناخ طويل الأمد الذي يسببه الإنسان والتحول من دورة النينيا المبردة لمدة ثلاث سنوات إلى دورة النينيو الدافئة.
“التراجع الثلاثي” غير العادي لظاهرة النينيا
من عام 2020 إلى عام 2023، شهدت الأرض ما وصفه العلماء بـ “تراجع ثلاثي” لظاهرة النينيا، حيث استمرت هذه الدورة المبردة لثلاث سنوات متتالية دون حدوث ظاهرة النينيو بينها. خلال فترات النينيا الطويلة، يلتصق الماء الدافئ بشكل أعمق في المحيط، مما يؤدي إلى سطح أكثر برودة. وبحسب علماء المناخ، فإن هذا يقلل من كمية الطاقة التي تنبعث إلى الفضاء، مما يؤدي إلى حبس المزيد من الحرارة في الأرض.
تحديثات في تصنيف ظواهر النينيو والنينيا
مع استمرار ارتفاع درجات حرارة مياه المحيطات عالمياً، اضطر العلماء إلى تحديث طريقة تصنيفهم لظاهرتي النينيو والنينيا. تاريخياً، كان يتم تصنيف هذه الظواهر بناءً على فروق درجات الحرارة في مناطق محددة من المحيط الهادئ الاستوائي مقارنة بالمعدل الطبيعي.
الحاجة إلى مؤشرات جديدة
في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بشكل مستمر، يصبح ما يعتبر “طبيعياً” في تغير مستمر. اعتمدت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) سابقاً على متوسط درجات الحرارة على مدى 30 عاماً لتحديد المعدل الطبيعي. ومع ذلك، فإن هذه الفترة الزمنية أصبحت غير كافية لمواكبة التغيرات السريعة.
المؤشر النسبي الجديد
نتيجة لذلك، قامت NOAA بتطوير مؤشر نسبي جديد لظاهرة النينيو، يبدأ تطبيقه هذا الشهر. يقارن هذا المؤشر الجديد درجات الحرارة الحالية ببقية المناطق الاستوائية للأرض. يُتوقع أن يؤدي هذا التغيير إلى اعتبار المزيد من الأحداث ظاهرة نينيا وأقل منها ظاهرة نينيو، وذلك بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه الاستوائية.
مستقبل درجات الحرارة العالمية
تتوقع NOAA تطور ظاهرة النينيو في وقت لاحق من هذا العام، والذي قد يؤثر على نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي. ولكن، الأهم من ذلك، أن هذه الظاهرة من المتوقع أن تساهم في ارتفاع درجات الحرارة العالمية بشكل أكبر في عام 2027.
يشير الخبراء إلى أن “العادي” الذي كنا نعرفه لم يعد موجوداً منذ عقود. ومع ارتفاع هذه الكميات الهائلة من الحرارة في النظام المناخي، يجب على الجميع الاستعداد لطقس أكثر قسوة وتطرفاً. إن فهم العلاقة بين ظاهرتي النينيو والنينيا وتغير المناخ الذي يسببه الإنسان هو أمر بالغ الأهمية للتكيف مع المستقبل.

