الخيال في عقول القرود: هل يمكن لـ “الخيال” أن يتجاوز حدود البشر؟

بحلول سن الثانية، يتقن معظم الأطفال فن اللعب التظاهري، محولين غرف نومهم إلى قلاع ساحرة أو مستضيفين حفلات شاي وهمية. هذه القدرة على خلق عوالم من العدم هي حجر الزاوية للإبداع البشري. وتشير دراسة حديثة، أجريت على قرد في الأسر، إلى أن هذه القدرة قد لا تكون قاصرة على جنسنا البشري، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم خيال القرود.

لمحة عن القدرات الإدراكية للقردة العليا

لطالما تساءل العلماء عن مدى تعقيد العقول غير البشرية، وخاصة عقول القردة العليا. تشير الملاحظات في البرية إلى سلوكيات قد تنطوي على شكل من أشكال اللعب التظاهري، مثل حمل الشمبانزي للعصي وكأنها أطفالها. ومع ذلك، يظل تفسير هذه الظواهر صعبًا، حيث يصعب تمييز ما إذا كان القرد يقلد أم أنه يمتلك حقًا قدرة على التظاهر.

تجربة “كانزي”: إثبات مبدئي لقدرة الخيال

في محاولة للإجابة على هذه التساؤلات، ركزت دراسة حديثة على “كانزي”، وهو قرد بونوبو نشأ في بيئة مختبرية وأظهر براعة استثنائية في التواصل باستخدام الرموز الرسومية. قام الباحثون بتكييف تجارب مصممة لدراسة الأطفال الصغار، بهدف تحديد ما إذا كان كانزي يمتلك قدرة على خيال القرود.

تفاصيل التجربة: محاكاة مواقف وهمية

لتنظيم حفل عصير لكانزي، قام الباحثون بسكب سائل وهمي (غير قابل للشرب) من إبريق في كوبين. ثم تظاهروا بإفراغ كوب واحد فقط، وتركوا الآخر ممتلئًا بالسائل الوهمي. عندما سُئل كانزي عن الكوب الذي يريده، اختار الكوب الذي لا يزال يحتوي على السائل الوهمي بنسبة 68% من الوقت.

  • التمييز بين الواقع والخيال: للتأكد من أن كانزي لم يخلط بين السائل الحقيقي والوهمي، تم تكرار التجربة مع العصير الفعلي. تبين أن كانزي اختار العصير الحقيقي بدلًا من الوهمي في حوالي 80% من الحالات. هذه النتيجة تشير بقوة إلى قدرته على التمييز بين الواقع والخيال، وهي خطوة مهمة نحو فهم خيال القرود.

  • توسيع نطاق التجربة: تضمنت تجربة أخرى وضع عنب وهمي في مرطبانين، وأظهر كانزي نتائج إيجابية مماثلة، مما يعزز فكرة قدرته على التمييز بين الأشياء الحقيقية والوهمية.

آراء وتحفظات العلماء

على الرغم من النتائج المشجعة، لا يتفق جميع العلماء على أن كانزي يمارس لعبًا تظاهريًا بنفس طريقة البشر. يرى بعض الباحثين، مثل مايكل توماسيلو، أن هناك فرقًا بين إدراك سكب السائل في كوب والقيام بالفعل بنفسه. ويشدد على ضرورة رؤية كانزي يبادر بالتظاهر بسكب الماء في وعاء بنفسه ليقتنع بشكل كامل.

القرد كانزي: قصة استثنائية؟

يبقى السؤال المطروح حول ما إذا كانت قدرات كانزي تمتد إلى جميع القرود، أم أنها ناتجة عن تربيته الخاصة بين البشر. توفي كانزي العام الماضي عن عمر يناهز 44 عامًا، مما يجعل إجراء المزيد من الأبحاث عليه مستحيلًا.

مستقبل الأبحاث وخيال القرود

يمثل كانزي نموذجًا فريدًا يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية لفهم خيال القرود وقدراتهم المعرفية. نظرًا للتهديدات التي تواجه العديد من أنواع القردة العليا في البرية، فإن المزيد من البحث ضروري لحماية هذه الأنواع وفهم عالمها الداخلي المعقد.

خلاصة

تشير تجربة قرد البونوبو “كانزي” إلى أن القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، وهي أساس اللعب التظاهري، قد لا تكون حكرًا على البشر. بينما يظل التوصل إلى استنتاج قاطع حول امتداد هذه القدرة إلى جميع القرود أمرًا صعبًا، إلا أن هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لطبيعة خيال القرود والتعقيدات الإدراكية لدى الرئيسيات. إن فهمنا الأفضل لقدراتهم قد يساعد في جهود الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.

شاركها.
Exit mobile version